ومن ضروب الشعوذة أن أحدهم قد يدفن نفسه حيا ويظل مدفونا أياما في مكان لا يتطرق إليه النور أو الهواء أو الغذاء حسب الظاهر. ومع ذلك ينتفض بعد أيام من قبره كأنه ينفض عنه غبار الموت.
ومن أعمال مشعوذي الهند أيضا أنهم يمشون حفاة على النار جيئة وذهابا ولا تحترق أقدامهم. ولعل هذا من قبيل الخداع البصري أو لعله يستند إلى الاستهواء؛ أي التنويم المغناطيسي. وأغرب منه ما يفعله بعض دراويش الهند حين يلقي حبلا في الهواء فينتصب الحبل في الجو فيتسلقه الدرويش كأنه يصعد في الجو، ويظل صاعدا صاعدا إلى أن يختفي عن الأنظار. وما هي إلا لحظة حتى يظهر بين الجمهور بغتة. أو قد يتسلق الحبل الممدود في الجو ومعه ولده وبيده سكين، ومتى وصل إلى ارتفاع كبير عمد إلى الولد فذبحه وألقى رأسه بعيدا وظل الدم يسيل غزيرا، فيهيج الجمهور ويريد الفتك بذلك الدرويش، الذي يختفي في الجو فجأة، ومتى هدأت ثائرة القوم ظهر بينهم ومعه الولد المذبوح!
وقد حاول الكثيرون أن يعرفوا سر هذه الشعوذة فلم يوفقوا إلى ذلك. وحاول بعضهم رشوة بعض دراويش الهند بمبالغ كبيرة؛ ليكشفوا لهم سر تلك الظاهرة فلم يفوزوا بطائل. وعند بعض علماء النفس أن التعليل الوحيد لتلك الظاهرة هو التنويم المغناطيسي؛ أي إن المشعوذ يستهوي الجمهور وينومه تنويما مغناطيسيا ويوهمه أنه يرى ذلك المنظر الغريب.
ومن هذا القبيل ما عرضه منذ سنة تماما رجل هندي من البراهمة في إنجلترا، فإنه كان يثب أمام جمهور النظارة في الهواء ويجلس القرفصاء وهو غير معلق بشيء أو مستند إلى شيء، وكان يظل كذلك مدة وهو مكتوف اليدين، وقد تبين بعد ذلك أنه كان في الحقيقة يجلس على أسلاك حديدية غير منظورة.
ويقول الكاتب: لعل أغرب أنواع الشعوذة في الوقت الحاضر ما يشبه أعمال دراويش الهند من قطع رأس الإنسان أو نثر بعض أعضاء جسمه، ثم إعادة الرأس المقطوع أو الأعضاء المبتورة إلى أماكنها. وليس من السهل شرح هذه الحيلة في مثل هذه العجالة، وإنما نقول: إنها تستلزم استعدادا خاصا وأدوات وآلات خاصة. (3) الخرافة
كان الإنسان البدائي يخاف كل شيء، يحدث له ضررا أو هلاكا كالسيول والأمطار الجارفة والضواري، وأخذ يتوسل لدفع شرها ويتوهم أنها تمثل ذوانا أو قل إنها أشخاص يجوز أن تقدم لها القرابين وأن يلتمس منها كف الأذى، ومن هنا نشأت العبادة والتدين؛ أي إنها انبعثت من رهبة الطبيعة وما فيها وتطورت إلى شعور بالارتياح والشكر حين ينجاب غضب الطبيعة وينتهي أذاها.
وليس ببعيد أن تكون هذه الأحداث موضوع رواية يتناقلها الناس جيلا بعد جيل محشوة بالمبالغات والأوهام، مما يتصوره عقل البدائي الساذج وبما يشهده في حلقات جماعته في دعائهم وشكرهم، وأن يكون من أثر هذا وضع الأناشيد والقصص والأشعار والموسيقى الهمجية الساذجة.
هذا ويسود المرويات الروح المنفصلة؛ أي استقلال الروح، وهي مركز الحياة عن الجسم كما هو المشاهد في القصص الخرافية القديمة، فهي في الواقع متضمنة علوم القدماء وخيالهم وأدبهم وفنهم. (4) الطب والسحر
السامي متفائل بطبعه، راغب في الحياة آخذ بأسبابها، رافض فكرة الفناء معتقد في الحياة الأخرى وفي الثواب والعقاب، فهو - لهذا - ساع لجعل الحياة سعيدة، ومعني بالصحة وسلامة البدن إلى حد عد هذا عقيدة دينية تطالبه بالطاعة لها. أما ما يحول دون ممارستها فعنده أن ذلك يرجع إلى الأرواح الشريرة، وكان عنده أن السحر وسيلة للعلاج.
وعند صاحب اللسان أن الطب هو السحر، الذي قال فيه ابن الأسلت:
ألا من مبلغ حسان عني
أسحر كان طبك أم جنون (5) رأي المؤلف
لقد أوردنا فيما تقدم آراء العلماء في السحر. وعندنا أن السحر يقوم على عنصرين: أولهما ما ينزل بأعصاب الإنسان البدائي والإنسان المتحضر نفسه من ضعف وفتور حيال قوارع الزمان وأحداثه. ولما كان في كل إنسان، مهما تكن منزلته من التحضر والعلم والرقي، ناحية من السذاجة؛ سذاجة الطفولة التي من أثرها التصديق أو الإيمان ببعض الأقوال، خاصة إذا ما ألقيت إليه على الصورة التي تستهوي النفس وتخلب اللب، وخاصة إذا ما وقع هذا حين ينزل به المكروه، ويعز العلاج ويتلمس المنكوب النجاة؛ كانت النفس الإنسانية متأهبة لتلقي ما يشعرها بقوة الشفاء من ناحية علوية أو خفية غير منظورة بعد أن باء العلاج المادي بالفشل، بل كانت هذه النفس متعطشة لهذا التلويح أو التلميح بالقوة المشار إليها «قوة السحر»، أوليس الإنسان هدفا لألوان الخداع والغش والغبن والاحتيال، حتى إذا لم يزعم المحتال لنفسه قوة سحرية؟