عند بعض العلماء، ولا سيما أنصار مذهب التطور، أن للحيوان أو لبعض أنواعه عقلا يفكر بعض التفكير، وأن القوى العقلية الحيوانية تختلف عن القوى العقلية الإنسانية في الكم لا في الكيف والنوع. أما علماء المنطق فيغلب أنهم إما أن يعدوا العقل الحيواني يختلف عن العقل الإنساني في النوع لا في المقدار، وإما أنهم يذهبون إلى أنه ليس للحيوان عقل ما، وأن كل ما يبدو من الحيوان من معرفة ليس مرجعه ذكاء أو عقل، وإنما مرجعه الغريزة والتكرار الآلي.
هذا ويدرس علماء النفس والعقل الباطن من المدرسة الحديثة أمثال فرود وبونج ومكدوجال وبودوين، الأحلام والخواطر والجنون كما يدرسون العقل الإنساني والأساطير ومنشأ اللغات والأديان.
وعندهم أن العقل الإنساني قد جاز مراحل ثلاث، أولها مرحلة العقل الحيواني؛ ذلك أن الإنسان في بداية ظهوره على الأرض منذ ملايين السنين كان تفكيره مشربا بعقل الحيوان، فإذا أسلم الإنسان قياده لخواطره فهناك ينساب هذا العقل فيخيل له الأكلة الشهية أو المرأة الجميلة؛ لأن هاتين الشهوتين هما محور الحياة عنده، فتفكير المراهق يتجه إلى المرأة. وهذا يتسق مع ما نراه من إلحاح هذه الشهوة على الحيوان حين تتقاتل الذكور وتموت من أجلها. وإنما تخف هذه الشهوة حين يخرج الإنسان من طور المراهقة إلى الشباب وإلى الكهولة؛ وذلك لأن الإنسان منذ تكونه جنينا إلى أن يحمل إلى القبر يمثل في نفسه تلك الأطوار، التي مرت بالأحياء قاطبة من بدء ظهورها في العالم إلى الآن. فهو في باطن أمه حيوان رابض غائب الذهن أخرس منطرح كالسمك ثم لا هم له بعد أن يولد إلا الطعام. وهذا هو الشأن في تطور أنواع الحيوان كلها، فإنها قضت فترة طويلة وهي لا تعرف الحب، بل لا يزال بين الأسماك ما يلقي الذكر بذره في الماء كما يطرح النخل لقاحه للريح. ثم يظهر الحب والأسرة فيخرج الصبي من الشغف بالحلوى، والنهم للطعام إلى إحساس الحب للجنس الآخر.
ولكن إلحاح هذه الشهوة الجنسية يخف بالتقدم في السن. وكما أن الشاب خرج من طور الطفولة من حيث الطعام فلا يجعل للنهم من السلطة عليه مقدار ما للصحة، كذلك الكهل يخرج من غرام الشباب وإلحاح الغريزة الجنسية إلى تسليط العقل الحديث ومراعاة المصلحة العائلية.
هذا وقد أمضى الإنسان نصف مليون سنة على هذه الأرض بعد الحالة الحيوانية خلال ملايين السنين إلى المرحلة الثانية؛ أي الهمجية، فكان أبكم أو شبيها بالأبكم لا يحمل من الآلات إلا أجفاها، يعيش منعزلا لا يعرف الاجتماع، حظه من الثقافة قد لا يزيد على حظ طفل عمره ثلاث سنوات، يقتل خصمه من أجل جذر من اللفت، ويأكل العصفور أو الصرصور، ويقتل زوجته إذا رآها آثرت نفسها عليه في ثمرة فجة أو بضعة من لحم، ويخشى الظلام والوحوش وينتفض من تهافت ورقة جافة أو من رؤية ثعبان أو قنفذ.
فالخوف هو طابع الإنسان الهمجي، وهو ما ورثه الإنسان الحاضر عنه. والغيظ أو الحقد كلاهما يعمل في النفس عمل الخمر فتستيقظ كفاياتنا القديمة وتكبت كفاياتنا الجديدة. وقد تمر بنا ساعات نستذكر أو نردد فيها إهانة لحقتنا من أحد الناس، فنرى يدنا تنقبض ونحن لا ندري ثم يجري خيالنا بالعصا الغليظة ننزل بها على أم رأسه ضربا وخبطا، ونحن نصحب هذا الضرب باللعنات الدسمة ونشعر عندئذ بالراحة. والواقع أننا نستريح؛ لأننا نرضى بهذا الخيال، هذا الجد الهمجي القديم الذي يضمره كل منا في نفسه، والذي نكبته أحيانا في يقظتنا فيتغفل عقلنا الواعي ويبدو خواطر لذيذة أو أحلاما نرى فيها هذا الخصم مقهورا أو مقتولا. وقد مضى على هذا الإنسان نحو 7000 سنة، وهو يعيش مجتمعا له ثقافة الزراعة ولكنه لما يمح هذا العقل الهمجي القديم.
وبعد العقل الهمجي ظهر تحضر الإنسان بتعلم الصيد والاجتماع ثم بالزراعة وهذه هي المرحلة الثالثة للعقل. وفي هذه المدة تثقف الإنسان بأشياء عديدة فعرف اللغة والكتابة والبناء والمحرمات في الزواج والملكية وعرف الحرب والصناعة والطهي والخبز، ثم نشأت له أديان ونبتت عليها آداب من شعر وقصص وأساطير. هذا هو عقل الحضارة القديمة، عقل الأدب.