وفي التوراة أن شاول ملك اليهود استشار روح صموئيل النبي فيما سيئول إليه أمره من محاربة الفلسطينيين فأنبئ بأنه سينكسر وبأن جيشه سيهلك، ومع ذلك لم يعبأ فكانت آخرته وبالا عليه، وليس هذا مجال البحث في كيفية استشارة روح صموئيل، وإنما نقول إنها تمت على يد عرافة مشعوذة. وكان هو نفسه - أي شاول - قد قطع دابر العرافين والمشعوذين في مملكته. ولعله أول ملك في التاريخ حرم العرافة والسحر والشعوذة، فقد كانت هذه المهنة كثيرة الشيوع، بل كانت من مستلزمات الاجتماع في العصور الغابرة ، وكان النساء الرومانيات كثيرات الشغف بالالتجاء إلى المشعوذين لاستطلاع حظوظهن. ولسنا نعلم جيلا من الناس لم تلجأ نساؤه إلى الدجالين والمشعوذين لاستطلاع أنباء الغيب والكشف عن المستقبل، فإن مثل ذلك الاستطلاع في خلق المرأة منذ أقدم أزمنة التاريخ.
ولنرجع إلى الشعوذة المحضة منذ أقدم الأزمنة، فنرى أنها كانت شائعة عند قدماء المصريين وكانوا يخلطونها بالسحر. وفي سفر الخروج من التوراة أن سحرة مصر (ويراد بهم المشعوذون) تمكنوا من تقليد الآيات التي صنعها موسى أمام فرعون لحمله على إطلاق سراح الإسرائيليين. ومن ضروب الشعوذة التي كانوا يمارسونها أنهم كانوا يحرقون البخور في غرفة مظلمة، فتنعقد في الجو سحب كثيفة من الدخان تظهر عليها صور مختلفة فتدهش الناظرين، وكانت تلك الصور أو المرئيات تنعكس عن مرايا معدنية مقعرة مستورة عن الأنظار.
ومن أعمالهم أيضا أنهم كانوا يرسمون صور الآلهة على جدران الأقباء أو الدهاليز المظلمة المقامة تحت الأرض، وما هي إلا لحظة حتى تلتهب تلك الصور كأنها بقوة سحرية. والمعروف أن تلك الصور كانت من مواد قابلة للالتهاب، فإذا مست النار جزءا منها سرت في سائر الأجزاء وأحدث التهابها دهشة عظيمة!
وهناك ضروب أخرى من الشعوذة كان يمارسها قدماء المصريين. وعنهم أخذ اليونان حتى قيل إن كهنة دلفي وأفسس وغيرهم تلقوا السحر والشعوذة عن المصريين. ومن عادة الرومان أنهم ما كانوا يقيمون وليمة إلا وللشعوذة منها نصيب كبير.
ولم يتفق العلماء حتى الآن على تعليل الشعوذة التي كان يقوم بها كهان دلفي ببلاد اليونان. فقد كان الملوك وقادة الجيوش يقصدونهم إذا عزموا على القيام بغزوة أو حرب، ويستطلعون ما هو مقدر لهم في صحف الغيب كما قدمنا. فإذا ألقوا على أولئك الكهان سؤالا سمعوا أصواتا لا يعلمون من أين هي ردا على سؤالهم. ومن المحتمل أن الكهان كانوا يحسنون إخراج الأصوات من بطونهم؛ وهو ما يعرف اليوم «بالفتيرولوكويسم».
وإذا عدنا إلى العصور المتوسطة رأينا أن الشعوذة كانت منتشرة فيها انتشارا عظيما. فقد أشار تشوسر الشاعر الإنجليزي إلى مرئيات غريبة كانت تظهر في بعض الاحتفالات وتمثل مواقع قتال ومشاهد صيد وحوادث مختلفة. وذكر السر چون مندفيل أنه شاهد مثل ذلك في قصر أحد أقيال الشرق. وروى «تشليني» في أواسط القرن السادس عشر أنه رأى صورا ورسوما مدهشة بارزة على ستار في الظلام في بناء الكولوسيوم بمدينة روما. والأرجح أن جميع هذه المناظر كانت مما يعرف اليوم بالفانوس السحري. وقد كان البعض يعتقدون أن الفانوس السحري من مخترعات القرن السابع عشر.
ومما يجدر بالذكر أن الفيلسوف ديكارت الذي نبغ في النصف الأول من القرن السابع عشر صنع تمثالا شبيها بالإنسان الميكانيكي، الذي شاع صنعه اليوم في أمريكا والذي يسمى «روبوت» أو «أوتومات»، وكان ينطق بكلمات وعبارات تدهش السامعين. قيل إن ديكارت كان مسافرا ذات يوم في سفينة ومعه هذا التمثال، فلما رآه ربان السفينة تشاءم منه وقذفه إلى البحر وفي أواخر القرن السابع عشر عرض رجل إنجليزي يسمى توماس إبرسون في قصر تشارلس الثاني تمثال رجل يتكلم ويجيب على أسئلة السائلين. وتعليل ذلك أن التمثال كان دقيق الصنع جدا، وكان مجوفا يختفي في داخله رجل ذكي الفؤاد يتكلم عدة ألسنة ويخرج من جوفه أصواتا غريبة كأنها آتية من بعد. ولم تنكشف جلية هذا الاختراع إلا بعد مرور الزمن.