تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعند «الأثري المصري محرم كمال، أمين المتحف المصري» أن «ما ندعوه الآن بالسحر قد ورثناه عن المصريين القدماء. فقد اشتهرت مصر في قديم الزمان بالسحر، وإلى الآن لا تعدم قرية من قرانا ساحرا تضفي عليه خيراتها وتضع فيه ثقتها، ويستمتع فيها بالنفوذ والثقة اللذين كان ينعم بهما سحرة العصور القديمة».

كان المصري القديم يلجأ إلى الساحر إذا أراد التخلص من عدوه، وتخبرنا النصوص بأن الساحر كان يعذب هذا الشخص بما يطلقه عليه من أحلام مزعجة وأشباح مرعبة وأصوات مستغربة، بل إن الساحر كان يسلط عليه الأمراض فتنهك قواه وتهد بدنه. وكان الساحر قادرا على أن يجعل النساء يتركن أزواجهن ويتعلقن بأذيال من يريده هو من رجال وإن كانوا موضع كرههن من قبل. وكان الساحر يطلب في مثل هذه الأحوال؛ لكي ينجح عمله أن يؤتى له بقليل من دم الشخص المطلوب أو قلامة من أظافره، أو خصلة من شعره أو قطعة قماش من ثياب يكون قد لبسها؛ فإذا حصل على ما طلب، صنع تمثالا من الشمع بشكل الشخص المطلوب (العمل له)، ووضع في التمثال أو استعمل في صنعه الأشياء التي أخذها، فإذا تم له ذلك ألبس التمثال ملابس كالتي يرتديها الشخص نفسه حتى يشبهه تمام المشابهة، ثم يجري عليه طائفة من الأعمال السحرية، فكان إذ دق مسمارا في التمثال أصيب الشخص بمرض، وإذا قرب التمثال من النار أصابت الشخص حمى خبيثة، وإذا طعن التمثال بسكين قتل الشخص أو جرح. ويظل الساحر يزاول أعماله حتى يقضي على الشخص الذي يريده! وقد ورد في النصوص أن هذا النوع من السحر قد استعمل ضد الملك رمسيس الثالث، ولكنه اكتشف الأمر وقبض على هؤلاء السحرة، وصادر ما وجده لديهم من تماثيل الشمع التي صنعت بشكله، كما أوردته ورقة «هاريس» البردية السحرية وورقة «تورين» البردية القضائية. أفليس هذا النوع من السحر، وعمل التماثيل من الشمع أو الطين، ووخزها بالإبر والدبابيس هو الذي يستعمله الدجالون في القرى والأقاليم الآن؟

وكل ما لدينا من غرام بالتمائم والتعاويذ والأحجبة كحجاب الحب والكره والحفظ، وآلاف التمائم التي تعلق في رقاب الأطفال حتى تطول أعمارهم، كل هذه إن هي إلا عادات ورثناها عن أجدادنا القدماء الذين كانوا لا يسيرون خطوة إلا والتمائم ترافقهم وتحميهم، وزيارة واحدة للمتحف المصري تطلعكم على آلاف التمائم التي استعملها المصريون القدماء.

ويقرب من هذا اعتقاد العامة اعتقادا جازما بالعين وقوة أثرها. فإذا جلست إلى رجل منهم حدثك كيف أن هناك فئة من الناس لا تكاد ترى شيئا تعجب به حتى يحصل له حادث ما، ومن هنا نشأت فكرة تعليق الصحون على مداخل المنازل أو قرون الأغنام أو عروسة القمح على الأبواب. كذا طائفة من التمائم نراها معلقة على العربات وسيارات الأغنياء والمثقفين بشكل خرز أو قلائد توضع دفعا للعين، فهذه الخرافة ورثناها أيضا عن مصر القديمة، فقد وجد في مكتبة معبد الإله حوروس في إدفو كتاب مملوء بالرقى والتعاويذ لطرد العين الشريرة. كما أن هناك أنشودة معروفة للإله تحوت يرجع تاريخها إلى الدولة الحديثة، وقد ورد فيها ما يأتي: «أيها الإله تحوت! إذا كنت تحميني لم تبق بي حاجة إلى الخوف من العين.»

ويعتقد العامة المصريون الأحياء أن هناك ساعات من النهار بل أياما معينة لا يحسن بالمرء أن يأتي فيها عملا؛ لأنها منحوسة، فهذا الاعتقاد في الأيام سعدها ونحسها قديم أيضا؛ إذ كان المصريون القدماء يعتقدون أن الأيام تكون سعيدة أو منحوسة طبقا لما وقع فيها من حوادث سعيدة أو كريهة في أساطيرهم الدينية، فاليوم الأول من أمشير الذي رفعت فيه السماء، وكذا اليوم السابع والعشرون من هاتور الذي عقد فيه صلح بين الإلهين حوروس وسيت وتراضيا فيه على اقتسام العالم، كانا يومين كلهما سعد وبركة. أما اليوم الرابع عشر من طوبة الذي بكت فيه إيزيس ونفتيس على أوزريس فقد كان يوما منحوسا. وكان هذا الاعتقاد من القوة في العصر الفرعوني، بحيث إن كثيرا من الأعمال كالبدء في سفر بعيد أو عقد صفقة تجارية أو ما إليها كان يؤجل من أجل هذه الأسباب، وما زلنا الآن بعد مضي خمسة آلاف سنة تؤجل أشياء لهذا السبب عينه.

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٥٢