وقد ذكر المسيو هنري بونيون في كتابه تحت عنوان «الفرقة الدستائية»، وهي المندائية التي اشتهر بها الصابئة الحاليون ما مضمونه: إن صاحب هذه الفرقة كان متسولا، وقد جاء من بلاد ما بين الزابين - يريد الزاب الأكبر والزاب الأصغر، وهما من أنهار العراق المعروفة - إلى ميسان - يريد جنوبي العراق - وكان مسيحيا اسمه «دبدا» واسم أمه «أم كشطا»، ثم توطن ضفاف نهر القاردن في جنوبي البصرة الحالية، وأسس ديانة جديدة مأخوذا معظمها من المارقيونيين والمانويين والكنتيين وغيرها من الفرق الصابئية القديمة، ثم توسعت هذه الطائفة على مر السنين وسموا بالصابئة؛ أي المغتسلة؛ لأن جميع طقوسهم الدينية لا تتم إلا بالارتماس في الماء الجاري. ا.ه.
تعتقد الصابئة أن المخلوق الأول لله كان روحانيا يدعى «هيي قدمايا»؛ أي الحي القديم، وأن الله خلقه وخلق معه عوالم كثيرة مملوءة بالنفوس المقدسة. ثم خلق الحي الثاني أو المخلوق الثاني وهو «هيي تنيائي»، وخلق معه كذلك عوامل مقدسة لا تحصى، ثم خلق المخلوق الثالث وهو «هيي تليثائي»، وخلق معه ما خلق مع سابقيه، وأن هذه النفوس تنقسم قسمين: «أنزي»؛ أي عوام، و«ملكي»؛ أي ملوك. ثم خلق عوالم سبعة تدعى «آلمي دهشوخا»؛ أي عوالم الظلام، وهي تستمد نورها من الشمس، وسكانها عوام وملوك أيضا، وأرضنا من جملتها.
أما هيئة الأرض فيرونها بشكل مربع وأنها ثابتة غير متحركة، وهي مقامة على هواءين: أحدهما خارجي والآخر داخلي، وتحت الأرض ماء انبسطت عليه، وأما السماء فيعتقدون أنها مكونة من سبع طبقات وأن الشمس تقع في الطبقة الرابعة والقمر في السابعة. ويرون أن الأرض والسماء مركبتان من مادتين هما: النار والماء، وكذلك الكائنات الحية فهي كلها مركبة من هذين العنصرين. ويعتقدون أن الله بعد أن أتم خلق الأرض، أنزلت الملائكة من عالم الأنوار الذي يسمونه «آبي دنهورو» بذورا للأشجار، وفتحت طريقا للهواء ولماء الحياة، وفتحت طريقا آخر للنور تستمد منه الشمس أشعتها لتنير بقية الكواكب بالواسطة.
يسمي الصابئة آدم «كوره قدمايه»، ويقولون إن الله أرسل جبرائيل ويسمونه «إبتاهيل» إلى الأرض ؛ ليخلق آدم على صورته فخلقه على صورته من التراب، وخلق من ضلعه الأيسر حواء، ثم أنزل الروح في جسمي آدم وزوجته، وعلم الملائكة آدم كل ما في الأرض، ثم أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس، ويسمونه «هادبيشة» قائلا: خلقتني من نار وخلقته من تراب فكيف أسجد له؟ فطرده الله من الجنة ولعنه.
وضع الصابئة للعالم تاريخا قدره 5873095 سنة أسندوه إلى أساطير.
وفي فكرة الخير والشر ترى الصابئة وتعتقد أن الخير والشر موجودان من قبل الإنسان، ويحدثان بفعله وأن إرادة الإنسان الجزئية، واختياره المطلق هو الذي يجعله مسئولا أمام الله، وهم يرون فوق ذلك أن الله بين للإنسان طريق الخير وطريق الشر، فله الحرية المطلقة في إتيان ما شاء ونبذ ما يشاء من دون معارض يعارضه.
تعتقد الصابئة أن الموت انتقال لا اندثار، فالروح بعد أن تخرج من الجسد، لا تفنى ولا تنعدم، إنما تنتقل من عالم لآخر حتى تصل إلى عالم الأنوار. وتعتقد أيضا بأن الروح لا تطهر إذا لم تخرج من بدن طاهر، ولهذا وجب غسل الميت وتكفينه ساعة احتضاره، لتخرج الروح من جسده وهو طاهر، فإذا مات الميت نجس وحرم مسه. ومن مات فجأة؛ أي بلا غسل وتكفين، عد كافرا. والبكاء والعويل محرمان على الميت فإن كل دمعة تذرفها العين على الفقيد تكون نهرا كبيرا في طريقه يعجزه عن قطعه.
فإذا مات الميت استقبل روحه ملكان من نقلة الأرواح فيحاسبانه على عمله في دنياه، فإن كان الميت حسنا فإن روحه تذهب إلى عالم الأنوار رأسا، وإن كان سيئا تبقى الروح في العذاب حتى تطهر.