هذا ويقول «ناصيف المنقبادي»: إن هناك شعوبا لم تعرف عقيدة ما، وإن من الشعوب التي لا تدين بدين ما بعض قبائل العرب القديمة، فقد جاء في كتاب «مصادر الإسلام» ما نصه: والعرب الجاهلية أصناف، فصنف أنكر الخالق والبعث وقال بالطبع المحيي والدهر المفني، يؤيد هذا ما ذكره القرآن عنهم في سورة الجاثية:
وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر . (2-12) عبادة الكواكب
عند «السيد عبد الرزاق الحسيني» من بغداد أن مظاهر الطبيعة وعجائب الكون قد وجهت نظر الإنسان منذ نشأته إلى إكبارها وتعظيمها، فأكبر العاصفة وارتعدت فرائصه للقوى الطبيعية، ورأى في كل تلك المظاهر قوة مدركة وحياة خاصة فاستصغر قواه بجانبها، ووجدها جديرة بالتعظيم والتقديس. ومن هنا نشأت فكرة العبادة لمظاهر الكون واستمر البشر يؤله ما يخاف منه وما تجهل كنهه، أو يرى فيه شيئا غريبا حتى تطورت فكرة الدين بتطور البشر، وأصبحت المظاهر الطبيعية تنضوي قواها تحت قوى محصورة في قوة واحدة، فبعد أن كانت الريح العاصف والشمس المهجرة والنار المتأججة، آلهة تعبد وأربابا تطلب منها المساعدة والمعونة، أصبحت تلك القوى، متمثلة في عدد من الكواكب السيارة وفي قوة تمثلها تلك الكواكب، وتطورت هذه الفكرة فأصبح عدد الكواكب يتضاءل حتى لم يبق إلا إله واحد، وأصبح الخلاف في صفاته بعد أن كان في شركائه وأقرانه.
ولكن على الرغم من هذه التطورات التي طرأت على العقيدة البشرية، فإن جذور تلك الاعتقادات ما تزال باقية وما يزال قسم من البشر يحتفظ بأصول العقائد الأولى وبصفات التفكير القديم، قبل عصر الحضارات ومن هؤلاء الصابئة.
جاء في القرآن الكريم في سورة البقرة:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ، الآية، وقد ذهب المفسرون في تفسير كلمة «الصابئة» مذاهب شتى لا نرى داعيا للبحث فيها، غير أننا نقول إن الصابئة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية الشريفة قد انقرضوا، فأصبح من المتعذر علينا بيان معتقدهم بالتفصيل.
وذكر أصحاب كتب الملل والنحل نوعا من الصابئة دعوهم «الصابئة الحرانية»، فظن البعض أن هؤلاء القوم من الصابئة الأقدمين، وهذا وهم وضلال، فقد ذكر ابن النديم في الصفحة ال 320 من فهرسته «طبعة أوروبا» أن المأمون اجتاز في أواخر أيامه ديار مصر يريد غزو بلاد الروم فتلقاه الناس يدعون. وكان بينهم جماعة من الحرانية، وكان زيهم إذ ذاك لبس الأقبية وإرسال اللحى، فأنكر المأمون ذلك عليهم وسألهم هل هم من المسلمين أو اليهود أو النصارى، فأجابوه بالسلب، فسألهم هل لهم كتاب أو نبي، فأجابوه سلبا، فأراد قتلهم مشيرا إلى أنهم أصحاب الرأس في أيام والده الرشيد، فأجابوه بأنهم يدفعون الجزية، فقال لهم: أنتم كفرة ملاحدة والجزية تؤخذ ممن خالف الإسلام من أهل الأديان الذين ذكرهم الله في كتابه المجيد. وطلب إليهم أن ينتحلوا الإسلام دينا لهم أو دينا آخر من الأديان التي جاء ذكرها في القرآن، وأمهلهم إلى عودته من غزو الروم. ويقول ابن النديم إن الحرانيين خافوا على حياتهم، فأسلم بعضهم وقص البعض الآخر شعره وصاروا في ولولة واضطراب، وجاءوا شيخا من شيوخ حران يطلبون نجوة لهم وقدموا إليه النذور والدراهم، فقال لهم: إذا عاد المأمون من رحلته وسألكم عن دينكم فقولوا له: نحن الصابئة، والصابئة اسم لدين ذكره الله في كتابه.
ويزيد ابن النديم على ما تقدم قائلا: إن المأمون مات في سفره «218ه/833م»، ولكن المسلمين عقبوا خطته حتى جعلوا الحراني يتظاهر بالإسلام. فإذا تزوج وولدت له امرأته ذكرا جعله مسلما، وإن جاءت إليه أنثى جعلها حرانية أو صابئة بالمعنى الذي أراده الشيخ الحراني لخلاصهم؛ وخلاصة قول ابن النديم أنه لم يكن في حران يوم اجتاز المأمون ديار مضر لغزو الروم صابئة، وليست للحرانيين الذين خرجوا لاستقباله فجرى ما جرى لهم؛ أية صلة بالصابئة، وهذا هو المراد عندنا .