وذكر شون فورت في مؤلفه «أواسط أفريقيا» ما نصه: ليس للبنجرس أدنى فكرة عن الخلود وهم يجهلون كل معتقد ديني. وأما الزولو، وهم على شيء من الذكاء، فإنهم برهان واضح على دعوانا هذه وإليك الحديث، الذي دار بين الرحالة «جاردبز» وأحدهم الذي يدعى تباي.
جاردبز :
هل لك إلمام بالسلطة التي خلقت العالم؟ أنت ترى الشمس تشرق ثم تغرب والأشجار تنبت وتنمو، فهل تعلم من يدبر كل هذا؟
تباي (بعد أن سكت برهة) :
إننا نرى كل هذه الأمور ولا نعلم من أين أتت، ونعتقد أنها أتت من تلقاء نفسها. (راجع كتاب رحلة في بلاد الزولو بأفريقيا للرحالة جاردبز ص72).
ويؤيد ما تقدم أيضا الحديث الذي دار بين السر صموئيل بيكر، وبين رئيس قبيلة من قبائل اللاتوك يدعى كومورو، وإليك نصه:
السر صموئيل بيكر :
هل لكم أي اعتقاد في وجود آخر بعد الموت؟
كومورو :
وجود آخر! وكيف ذلك؟ هل يمكن الميت أن يخرج من قبره إلا إذا نبش القبر وأخرج منه؟!
بيكر :
هل تظن أن الإنسان مثل الحيوان يموت ثم يندثر أمره؟
كومورو :
لا شك في هذا، فإن الثور أقوى من الإنسان، ولكنه يموت مع أن عظامه أطول وأقوى من عظام الرجل التي تكسر بسهولة؛ لأنه ضعيف.
بيكر :
أليس الإنسان أذكى من الثور؟ أليس له عقل يدبر أعماله؟
كومورو :
توجد ثيران أذكى من بعض الرجال، فإن الرجال يزرعون الأرض كي يحصلوا على قوتهم. أما الثور والحيوانات المتوحشة فإنها تحصل على قوتها من غير زرع.
بيكر :
ألا تدري أنه يوجد فيك شيء آخر خلاف الجسم؟ ألا تحلم؟ ألا تذهب إلى مسافات طويلة في أثناء نومك وجسمك لا ينتقل من مكانه؟ فكيف تعلل ذلك؟
كومورو
باسما :
كيف تعلل أنت ذلك؟ إن هذا الأمر يحصل لي كل ليلة ولكني أجهل أسبابه.
بيكر :
أليس لديك أية فكرة عن الأرواح التي هي أقوى من الإنسان والحيوان؟ أليس لك أقل خوف من عواقب الشر، ودع عنك الخوف من العوامل الطبيعية؟
كومورو :
إني أخشى الفيلة وحيوانات أخرى حين أسير ليلا في الغابات ولكني لا أخاف شيئا آخر.
بيكر :
وعلى هذا فأنت لا تعتقد في شيء لا في أرواح الخير ولا في أرواح الشر، وتظن أن كل شيء فيك من جسم وعقل يندثر بموتك. وأنك مثل بقية الحيوانات لا فرق بينك وبينها.
كومورو :
طبعا.
بيكر :
ولكن انظر إلى حبة القمح كيف تعفن بعد أن تبذرها في الأرض، ولكن لا تلبث قليلا حتى تنبت وتنمو منها سنبلة تأتي بحبات كثيرة، فإذا كانت حبة القمح تحيا بعد موتها فمن باب أولى الإنسان الذي هو أعظم المخلوقات.
كومورو :
لقد أدركت قصدك جيدا، ولكن الحبة الأصلية تنعدم بعد الموت فهي تعفن كما يموت الإنسان وينقضي أمرها. أما السنبلة التي تنبت منها فليست الحبة الأصلية بل ثمرتها ونتيجتها. وهكذا حال الإنسان فإني أموت ثم أعفن وينقضي أمري، ولكن نسلي ينمو مثل ثمرة الحبة. وقد لا يأتي الإنسان بنسل كما تفنى الحبة ولا تأتي بثمر. فبعد الموت ينعدم الإنسان كما تنعدم الحبة.
وقال العلامة فيانا دي ليما الدكتور في العلوم الطبيعية والعضو بالمجمع العلمي الفرنسوي في كتابه «الإنسان حسب مذهب التطور» صحيفة 174 وما بعدها ما يأتي:
ليست الفكرة الدينية من طبيعة النوع الإنساني، وليست هي صفة أصلية فيه تميزه عن سائر الأحياء وما هي إلا حالة مر عليها في أحد أطوار ارتقائه. وعلى كل حال فهي ليست لازمة له وليست عامة بين جميع الشعوب؛ إذ توجد شعوب متأخرة لم تصل في أطوار ارتقائها إلى طور الأفكار الدينية. وتوجد فئات كثيرة بين الشعوب المتمدينة فاقت هذا الطور ويزداد عددها كل يوم، وتوجد شعوب أخرى خطت نحو المدنية خطوات تذكر ولم تمر مطلقا بهذا الطور؛ طور التدين والأفكار الدينية. وهذه الشعوب التي لا يدين أفرادها بدين ما يوجد منها في أفريقيا وآسيا وأمريكا وأوستراليا. وذلك بشهادة الرحالين تومبسون، وفان دير كامب، والقس موفات، والرحالة الشهير لفنجستون، والسر صموئيل بيكر «المتقدم ذكره» والدكتور مونات، ودالتون وليختنشتين، وقد ذكر كل من مورتز فجنر في رسائله الثلاث والسر چون لوبوك في كتابيه «أصول المدنية» و«العصور السابقة للتاريخ» - المتقدم ذكرهما - عددا كبيرا من الشعوب التي ليست لها أية عقيدة دينية.