وقد نشأ الدين الإسلامي في شبه جزيرة العرب، أما المسيحية فقد نشأت بين بيت المقدس وروما. والكونفوشيوسية نشأت في الصين، والبوذية نشأت في الهند. وكذلك نشأت في بادية الشام الديانة اليهودية التي يقرب عدد المتدينين بها من عشرين مليون نسمة.
ويمكن أن يقال إن أكثر الديانات الكبرى نشأت في بيئة صحراوية تتيح للإنسان أن يتأمل الطبيعة الكبرى، ومن أجل هذا كان الشرق مهد الحضارات القديمة، والأديان مظهر من مظاهر الرقي الاجتماعي. ومن هنا سبق الشرق الغرب في ظهور الأديان كما سبقه إلى نور الحضارة والعمران.
هذا وقد عبر المسلمون إفريقية واستوطنوا الأندلس، ولم يكن ثمة ما يمنع أن ينفذ الدين الإسلامي إلى صميم أوروبا غير أنهم انهزموا في معركتي تور وبواتيه، فأقام المسيحيون حاجزا من جبال البرانس حال دون بلوغ الإسلام إلى وسط أوروبا وشمالها. ثم إنه لما سارت جيوش العثمانيين غربا حتى أخضعت دول البلقان، ووقفت على أبواب فينا واتجهت شمالا إلى بولندا وروسيا كان من المرجح أن يشمل الإسلام جميع تلك البقاع الفسيحة جيلا بعد جيل، ولكن العثمانيين لم يوفقوا في حروبهم دائما بل لحقهم الضعف والتفكك. ولو انتصر الأندلسيون على شارل مارتل ووفق العثمانيون في فتوحهم لدانت شعوب أوروبا بالإسلام؛ إذ ليس في أصوله وتعاليمه ما يجعله خاصا بشعب دون شعب.
الدين في القرآن الكريم
وقد آثرنا - إتماما للفائدة - أن نورد هنا بعض الآيات القرآنية في هذا الموضوع:
جاء في سورة آل عمران:
قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون .
وجاء في آل عمران أيضا:
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .
وجاء في سورة المائدة:
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .
وجاء في سورة الأنعام:
وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير .
وجاء في هذه السورة أيضا:
وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين . (2-11) شعوب لا دين لها
هناك شعوب لا دين لها، فقد ذكر الفيلسوف هربرت سبنسر في الكتاب الرابع «أصول علم الاجتماع» أنه «توجد أدلة على أن الناس، الذين فصلوا عن عالم الأفكار المكتسبة مذ طفولتهم لسبب من الأسباب خلوا من كل فكرة دينية، فقد ذكر الدكتور كيتو - الذي كان أصم - في مؤلفه «الحواس المفقودة» صفحة 200 شهادة سيدة أمريكية ولدت صماء بكماء، ولم تعلم بالطرق الصناعية الخاصة إلا بعد وصولها إلى سن الرشد. قالت - أو قل كتبت بطريقتها إنه لم يخطر على بالها البتة ولا على بال أحد من الصم الكم الذين كانوا معها في دار واحدة أنه لا بد للعالم من خالق».
ثم يقول سبنسر: «فهذا كله يدل على أنه ليس بالشعوب المتمدينة ميل غريزي إلى الدين.» ولدينا براهين تؤيد صحة هذا الاستنتاج، وتثبت أن فكرة الدين مفقودة أصلا بين كثير من الشعوب المتوحشة. فقد قدم السر چون لوبوك أمثلة على شعوب عديدة من هذا القبيل في كتابيه «العصور السابقة للتاريخ» و«أصول المدنية».
وروى المستر هارستون في مجلة «فور تنيتلي ريفيو»، بالمجلد التاسع عشر، أنهم كانوا يعلمون رجلا من قبيلة الودي وهو في السجن، فاتضح أن ليس لديه أي إلمام عن الخالق ولا عن الروح ولا عن عالم آخر.
وقال القس صموئيل سمث الذي عاش 28 سنة مع أناس صم بكم يصف أحدهم «أنه ليس له أي إلمام بالخلود، وأنه لم يعثر على واحد من الصم البكم ممن لم يتعلموا عنده أية فكرة عن قوة عليا خلقت العالم وتدبره».