أما النقل من المنطقة إلى وادي النيل، فيقتضي مد خط سكة حديدية أو سلك معلق وهي على كل من العمليات العادية في مثل هذه الحالات، ومتوسط المسافة من وسط المنطقة إلى النيل هو 20 كيلومترا تقريبا. والآن وقد قدرنا مساحة المنطقة ومقدار ما بها من خام الحديد، وأوضحنا نوع هذا الخام وقررنا سهولة استغلاله ونقله، فما الذي يمكن أن نستفيده من هذا الخام؟ إن من الميسور: (استغلال الخام في صناعة الحديد والصلب) وهذه هي الوسيلة التي إذا تحققت وكان تحقيقها متفقا مع القواعد الاقتصادية السليمة، كان لنا في هذه الخامات مصدرا جديدا من مصادر الثروة الأهلية، وكفانا مئونة استيراد الحديد والفولاذ لصناعاتنا الحالية، وأفضى إلى قيام صناعات جديدة، ودفع عنا غائلة المجاعة في هذه المواد في أوقات الحرب.
وربما كان من واجبي أن آني على موجز عن كيفية تحضير الحديد والفولاذ، قبل أن نخوض في مسألة احتمال قيام هذه الصناعة في مصر، وتقرير الأسس التي يجب أن تقوم عليها.
فاستنباط الحديد من خاماته يقتضي تسخين هذه الخامات إلى درجة مرتفعة من الحرارة لاختزان الأوكسيد، وترك المعدن المنصهر فيصب في قوالب تعرف بماسيح الحديد الظهر، وهو في هذه الحالة يكون مختلطا بعناصر غريبة كالكربون والسيليس والمنجنيز والفسفور وغيرها، مما تجعله قليل المقاومة سهل القصم غير قابل للطرق، وهو ما يستعمل للحديد الظهر المعروف في السباكة. أما تحويل هذه المادة إلى الصلب أو الفولاذ، فيقتضي إعادة وضعه في أفران خاصة للتخلص من الكربون وتكوين الصلب.
ولهذه العمليات وسائل تختلف تبعا لاختلاف أنواع الخامات ولا محل لذكرها الآن.
هذه العمليات تحتاج إلى وقود إما الفحم الحجري وإما الفحم الكوك، وإما الفحم البلدي (فحم الحطب)، وإما إلى الغازات البترولية أو الطبيعية.
ولما كانت بلادنا تعوزها هذه المواد جميعا فلا الفحم الحجري معروف، كما أنه ليست لنا مصانع تنتج الفحم الكربون، وليست لدينا غابات تمكننا من صناعة فحم الحطب. كما أن مناطق البترول حيث الغازات قد تكون متوافرة، بعيدة جدا عن مواطن خام الحديد. فقيامنا على صنع الحديد والفولاذ محليا على أساس استعمال أي نوع من أنواع الوقود معناه استيراد هذا الوقود من الخارج، ونقل الخام من أسوان إلى نقطة متوسطة كالقاهرة مثلا؛ مما يجعل نفقات الصناعة تزيد على ما يمكننا أن نستورد به الحديد والفولاذ في الأوقات العادية.
وقد قام بدرس هذه المسألة الخبير الكيمائي لوزارة التجارة والصناعة، ولم يتردد في أن يقرر أن الإقدام على مثل هذه الصناعة على هذا الأساس مصيره الحبوط المحقق. كما أن الدكتور عباس محبوب - الكيمائي بمصلحة السكة الحديد - قدر تكاليف إنتاج الطن من الحديد الزهر الذي يصنع في وقت السلم بالقاهرة بنحو 383 قرشا، بينما يستورد عادة بأقل من ذلك. على أنني أخشى أن يظهر التمحيص الدقيق أن الفرق على كل حال لا يشجع على الإقدام على صناعة الحديد في مصر على أساس استيراد الفحم من الخارج، ولا سيما أنه ليس في مصر نفسها من الفنيين أو العمال من يفهم صناعة الحديد، مما يتحتم معه استقدام المهندسين والفنيين بل بعض رؤساء العمال وبعض العمال أنفسهم. وكل ذلك مما يزيد في نفقات الإنتاج. (صناعة الحديد والصلب بالكهرباء) على أن هناك بارقة أمل في الأفق، ذلك ما نراه في زيادة الاهتمام بمشروع هو في نظرنا من أكبر المشروعات الحيوية الصناعية في هذه البلاد؛ ألا وهو توليد الكهرباء من مساقط الماء في خزان أسوان. والكهرباء قد أصبحت من الوسائل التي تستعمل في صناعة الحديد والفولاذ.
ولئن كان استعمال الكهرباء في استنباط الحديد من خاماته، وصناعة الصلب من تماسيح الحديد لم تبدأ إلا في السنين الأخيرة، إلا أنه خطا خطوات واسعة. فأعدت لذلك أفران كهربائية مختلفة تعالج مختلف أصناف الخامات. وقد أصبح الفولاذ الناتج بالطرق الكهربائية يعادل أجود أنواع الصلب التي تصنع بالوسائل الأخرى. وقد قام البرهان على أنه حيث يكون توليد الكهرباء رخيصا، فإن تكاليف إنتاج الفولاذ بالكهرباء تكون أقل كثيرا من تكاليف إنتاجه على أساس استعمال الوقود، وهذا مع الاحتفاظ بجودة الصنف.