تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان اليونانيون الأقدمون يعنون «بالتاريخ» البحث عن الحقيقة في أوسع نطاقها، وكان «هيرودوت» المؤرخ اليوناني الكبير في القرن الخامس قبل الميلاد وصافا لأحوال الأمم وخاصة مصر، والحروب القديمة التي قامت بين البلاد اليونانية وبين إيران، وكان كاشفا رحالة طلعة حالته قلعة في غيرما إجادة أو دقة، وجاء «ديودور الصقلي» في القرن الأول للميلاد يصف مصر كما رآها يومئذ مماثلا لهيرودوت. وكان التاريخ، على عهد «أرسطو» والعرب، نوعا من الأدب. أما في العصر الحديث فإن «التاريخ» يتألف من عنصرين: أولهما البحث، وهو الجانب العلمي، وثانيهما العرض الأدبي ذلك أن «تاريخ» التاريخ يدل على أن نهضة التاريخ كانت مسايرة للنهضة الأدبية والفنية؛ إذ كان المؤرخ لا غنى له عن: (1) التفكير. و(2) عن الخيال. و«التاريخ» الذي يدونه عالم غير أديب، لا يكون تناوله قريبا كما أن أسلوبه لا يكون جذابا وحوادثه ليست مشرقة خلابة؛ لأن العالم الباحث لا يحتفل للفظ، فالمعنى هو كل ما يعنيه.

من أجل هذا كان البون كبيرا بين التاريخ في عصر بيتيكلر ومؤلفات هيرودوت وتكسيديديس وفيدياس، وبين تاريخ يضعه السير ويليام فليندرز بيتري العالم البريطاني الأثري الكبير الذي توفي في 28 يوليو سنة 1942 عن 86 سنة، وهو واضع قواعد علم التنقيب عن الآثار؛ لأن تاريخ الأولين طابعه أدبي، وخالد على الدهر.

ولما كان التاريخ - في معناه الأعم - يتناول، كما قلنا، كل شيء؛ كان هناك تاريخ سياسي، وتاريخ للتجارة، وللمدن، وللقانون، وللعلم، والفلسفة؛ الفلسفة في ذاتها وفلسفة التاريخ التي تتحدث عن الحقائق التي سيطرت على حوادثه.

ومما يجدر بالذكر أن الناس كانوا - قبل إتقان الكتابة وانتشارها - يتناقلون الحوادث التاريخية مشافهة، وكانت هذه الحوادث ممتزجة بالأساطير والأناشيد والشعر والنثر وأنباء البطولة والآلهة، وكانت الأسر اليونانية تعنى بتدوين أنباء رجالها على اللوحات، كذلك حفظ لنا كتاب «مانيثون» تاريخ الأسر المصرية القديمة. و«مانيثون» هذا كان كاهنا مصريا من سمنود، أمره ملك مصر بطليموس فيلادلفوس بأن يجمع البيانات المتصلة بتلك الأسر.

وبعد الشاعر والأديب جاء الكاهن فدون الحوادث في المعابد والكنائس، فقد كان بونتفيكس ماكسيموس في عهد الجراكي (131ق.م) يؤرخ الحوادث سنويا في ألواح من الخشب.

وهناك تقاويم سنوية مختلفة ظهرت في عصر التاريخ وقبله، فقد كان اليونانيون يؤرخون التاريخ تبعا لدورات الألعاب الرياضية (الأولومبية)، والرومان ببناء مدينة روما أو حكم أباطرتهم، والعرب بعام الفيل. ولعل تقسيم السنة إلى 12 شهرا قمريا يرجع إلى ما قبل التاريخ؛ لأن الإنسان الأول عرف القمر يدور حول الأرض 12 مرة في السنة. وكان روملس منشئ روما يجعل السنة 10 شهور. (2) خصوم التاريخ

وقبل أن نختتم هذا الفصل، لا معدى لنا عن أن نذكر أن للتاريخ، إلى مزاياه وآثاره في العلم والتعليم والتربية والحياة الإنسانية، خصوما في أوروبا ومصر، ذلك أن عندهم أن المفتريات والدعايات وألوان التزيد والغلو قد تدسست إلى المرويات التاريخية، وحسبهم من الشواهد على هذا أن يشيروا إلى أن مئات الحوادث قد تباينت فيها الوقائع، وأن ما يجري تحت أعيننا، ونحن نزعم أننا في عصر العلم والنور والحرية والمطبعة، لا يذكر ولا ينقل مشافهة أو كتابة على حقيقته، مع أنه سيكون الأساس الذي يقيم عليه المؤرخ المقبل تاريخ هذه الأيام. وعلى رأس خصوم التاريخ من المصريين، عبد العزيز فهمي باشا رئيس محكمة النقض الأسبق، فقد نشرت مجلة «المصور» في 13 نوفمبر 1942 لمعاليه الحديث التالي:

إنك مصدر من مصادر التاريخ المصري للحركة الوطنية الأخيرة، فهل تسمح بأن تتحدث عن هذا التاريخ ؟

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٣