لست من المؤمنين بالتاريخ بل إني من الكافرين بآلهة التاريخ؛ لأنه مملوء بالكذب. وإذا حدثتك عن يوم 13 نوفمبر فقد يكون ما أرويه لكم اختلاقا؛ لأنه رواية والرواية خبر من الأخبار، والخبر كما يقول علماء اللغة: يحتمل الصدق والكذب، أو كما يقول الشرعيون: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. وقد زادوا كلمة «لذاته»؛ لئلا يتناول الأنبياء وهم معصومون عن الكذب أما غيرهم فيجوز لهم الكذب، بل إن الكثيرين يكذبون في التاريخ وليس هناك حقيقة تاريخية تكون صدقا صرفا.
ولكن حادثة ذهابك أنت وسعد باشا وعلي باشا شعراوي إلى سيرونجت حقيقة صادقة صرفة؟
قد يكون أننا ذهبنا إلى سيرونجت بدار المعتمد البريطاني، ولكن هل يعلم أحد حقيقة ما حدث في اجتماعنا به؟ وإذا رويت أنا هذه الحادثة كما وقعت، فإن روايتي تحتمل الصدق والكذب، كما أن رواية كل من زميلي تحتمل ذلك، فأينا يكون الصادق؟
الفصل الثاني
| قبل الحياة على الأرض
الكون والوجود والطبيعة والخليقة والعالم والدنيا ألفاظ تطلق - لغة واستعارة واصطلاحا في اللغة العربية واللغات الأخرى - على معان عامة ومدلولات شائعة.
والناس قد يذكرون أو يتعاورون اللفظ من هذه الألفاظ على أن معناه هو المعنى ذاته الذي تدل عليه الألفاظ الأخرى أو بعضها، وحسبنا أن نذكر هنا أنهم قد يتحدثون عن «العالم»، ومعناه لغة: الخلق كله أو صنف من صنوفه، وهم يريدون أن يعرضوا «للدنيا»، ومعناها هذه الحياة الدانية القريبة منا؛ أي التي نشهدها وتلابسنا.
ولا مرية في أن الإنسان القديم والجديد، جاهلا كان أم مثقفا صبيا كان أم شيخا، قد خطر بباله هذا «الكون» نشوءا وبقاء، وتمنى أن يقف على سره ومصيره.
فأما الذين استهواهم هذا الموضوع واسترعت عقولهم عجائب الكون وغوامضه، فقد وقفوا حياتهم على حل معمياته وتوضيح مشكلاته، غير أنهم لم يوفقوا إلا إلى كشف القليل جدا من حقائق الدنيا، وجملة ما يقال أن المتأخرين قد أصابوا من المعرفة أضعاف أضعاف ما وفق إليه المتقدمون.
وما أوتيتم من العلم إلا قليلا
قرآن كريم.
ففي مستهل القرن الثامن عشر الميلادي ، لم يسهم للناس أن يعرفوا من تاريخ الدنيا ما يزيد على 3000 سنة. بل إنه عند بعض الدارسين أن الدنيا قد خلقت فجأة في عام 4004 قبل الميلاد، على أنهم قد اختلفوا في هل وقع هذا في فصل الربيع أو في فصل الخريف!
أما مصدر الاختلاف فيرجع إلى اختلاف في تأويل بعض ما ورد في «التوراة»، وإلى تفسير بعض الأقوال والروايات التي انتهت إليهم!
وقد أسميت الأرض الكرة الأرضية؛ لأنها تماثل الكرة على وجه تقريبي. غير أنها تشبه البرتقالة؛ لأن كرة الأرض مضغوطة من طرفيها. أما طول قطرها فهو 8000 ميل.
ولم يدرك كبار العلماء - وما كان أقلهم - هذه الكروية إلا منذ 2500 سنة تقريبا. فقد كان الناس قبل هذا - كما يبدو من التاريخ المدون - يعتقدون أن الأرض مستوية منبسطة. بل إن هناك رأيا عصريا، وإن كان لا يزال شاذا، يقرر أن الأرض غير كروية.
وهي تتابع الدوران حول محورها في خلل الليل والنهار؛ أي في الساعات الأربع والعشرين. ثم إنها تدور حول الشمس في السنة دورة بيضوية الشكل على مبعدة منها تختلف مسافة بين 91 مليونا ونصف ميل وبين 94 مليون ونصف، هذا ويدور القمر حول الأرض في دائرة تبعد عن سطحها مسافة 239000 ميل. (1) انفصال الأرض عن الشمس
هذا ويقال إن الأرض كانت قطعة من الشمس انعزلت عنها منذ ألفي مليون سنة تقديرا. أما عن مرجع هذا الانفصال فالآراء متضاربة: منها أن نجما كبيرا اقترب من الشمس محدثا زيادة قوة الجذب بينهما؛ الأمر الذي نشأ عنه خروج لسان من مادتها إلى الفضاء منفصلا عن الشمس مبتعدا عنها دائرا حولها، ومن اللسان تألفت الأرض والكواكب وأشباهها دائبة الدوران حول الشمس، ثم إن هذه الكتلة الغازية الملتهبة قد تحولت إلى سائل، تجمد بعضه وتألفت القشرة الأرضية بما عليها من الجبال والسهول والبحار، وانفصل القمر كما انفصلت أقمار أخرى من كواكبها.