تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما موضوعه فإنه يتناول تلك العصور البعيدة التي سبقت الحضارات التاريخية القديمة المعروفة، مبتدئا بالكون وظهور الحياة على الكرة الأرضية عارضا للتقلبات الطبيعية ونشوء الإنسان وغرائزه وإنتاجه المادي والعقلي. ولما كان هذا الموضوع يتطلب من الاستقصاء والاستيعاب ما تقصر عنه هذه الصفحات، كان حماداي أنني جمعت أصوله ونسقت فصوله وأوجزت تفاصيله، ميسرا للمستزيدين أن ينهلوا من مراجعه المدونة في آخره، معتمدا على فطنة القارئين في استدراك الأخطاء المطبعية واللغوية، وفي إدراك الألفاظ الأجنبية من ترجمتها العربية، داعيا أبناء مصر والعروبة إلى استكمال بحث هذا الموضوع.

عبد الله حسين

| شعار المؤلف

كل كتاب جديد لا يضيف جديدا إلى المعرفة، إما أن يكون رجعا لصدى غيره أو لغوا غير جدير بعناء القراءة.

الفصل الأول

| ما هو تاريخ ما قبل التاريخ؟

قلنا في «مقدمة الكتاب» إن موضوعه «يتناول تلك العصور البعيدة التي سبقت الحضارات التاريخية القديمة المعروفة، مبتدئا بالكون وظهور الحياة على الكرة الأرضية، عارضا للتقلبات الطبيعية ونشوء الإنسان وغرائزه وإنتاجه المادي والعقلي».

ونقول هنا إن هذا الموضوع يتناول الكثير من البحوث الفلكية والأرضية - الچيولوچية - والأثرية والنظريات الفلسفية، والعلوم النظرية والتطبيقية، ومن الدراسات المتصلة بالآداب والفنون والسياسة والغرائز والعواطف الحيوانية والبشرية، كما سنجلوه على القارئ الكريم في الفصول التالية، فليس بعجيب أن يتعاون الفلكيون والأرضيون والمؤرخون والأثريون والفلاسفة وعلماء الطبيعة والاجتماع والزراعة والاقتصاد والصناعة والطب والكيمياء على إيضاح سر الكون وأصل الخليقة، أو شيء من هذا؛ لأن ما أدركوه إلى الآن ليس يبلغ من بحر الحقيقة إلا قطرة ومن بستانها إلا زهرة.

ولما كان «التاريخ» يتناول ما وقف عليه المؤرخون منذ مطلع نشوء الحضارات القديمة ممثلة في الممالك ذات التيجان والإمبراطوريات ذات العروش، مبتدئة بحادث أو يوم معين أو بسنة بعينها، آثرنا أن نطلق على الحوادث التي جرت قبل «التاريخ» اسم «تاريخ ما قبل التاريخ»؛ إذ إننا لسنا حيال ممالك وإمبراطوريات وأشخاص بأسمائهم وذواتهم، بل إننا قبل «التاريخ» المدون المعروف، بإزاء عصور طويلة وتقلبات عديدة ونظريات معقولة أو غريبة، مرغمين على أن نضرب في بيداء الظنون وأن نلجأ إلى المنطق؛ لنصل إلى النتائج من مقدماتها.

يقول المؤرخون إن «التاريخ» هو عرض الحوادث أو قل إنه الحوادث ذاتها، وإنه كان - في أصله - بحثا وبسطا. أما في العصر الحديث فإن «التاريخ» هو تلك الظاهرة الإنسانية التي تؤلف أو تعين على أن تؤلف موضوع الحوادث ذلك أننا إذا أردنا أن نعرض «لتاريخ مصر» كان لا معدى لنا عن أن نتحدث عن ملوكها وحكامها.

وثمة معنى أوسع منحى من معنى ظاهرة حياة الإنسان وأسره المالكة. ذلك أن الحوادث التي ينبغي أن يتناولها «التاريخ» يجب أن تشتعب كل ما في الدنيا الطبيعية ذاتها وما يحيط بها، فيتحدث عن كل شيء في الكون والكرة الأرضية يكون هدفا للتقليب والتغيير. ولما كان ليس ثم شيء في هذا الكون ثابتا، كان للكون كله ولكل جزء فيه «تاريخ»، فلقد كان من أثر كشف «الأثير» أن غير العلماء رأيهم في العالم الطبيعي، بأن تطور البيان الحسابي الثابت إلى معنى الحركة الدائمة التغيير في الكون، وبأن انتقلت الصخور والمعادن من مرحلة التحليل والتبلور إلى مرحلة التسلسل والتطور، فأصبح علم الطبيعة وعلم الحياة - البيولوچيا - من بحوث «التاريخ».

لقد كان الناس يقيمون المباني لتخليد ذكرى ملوكهم وحكامهم. أما الآن فالمباني تقام في المناسبات وللمنفعة الشخصية ولوقت محدود.

ولما كان لم يسن للأدب والفلسفة والسياسة والأخلاق والنقد والتجربة في العصور القديمة، مقاييس أو معايير - فإن التاريخ حقيق بأن يردنا إلى الصواب، حين نعمد إلى نقد شاعر كشاكسبير محتجين بأنه قد خالف قوانين الدرامة. (1) تدوين التاريخ

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٢