تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبما أن هؤلاء المؤرخين لم يروا قدام أعينهم شيئا ثابتا يعتمدون عليه سوى مياه النيل ووقوفها عند الكريون، وسمعوا أيضا الرواية المتداولة في البدء من أن الجزء الذي بين الكريون والإسكندرية حفرته يد البشر؛ لجلب المياه إلى الإسكندرية، فهذا هو الذي سوغ لهم أن يظنوا أن المياه لم يسبق أن جرت في مجرى آخر.

ولما كان من الثابت أن الجزء الواقع بين زاوية البحر والكريون يفوق الجزء الواقع بين الكريون والإسكندرية أهمية كما ذكر المسعودي فيما يلي فقد ساعد ذلك كثيرا على تمسكهم بهذه النظرية.

قال المسعودي:

وقد كان النيل انقطع عن بلاد الإسكندرية قبل سنة 332ه (943م)، وقد كان الإسكندر بنى الإسكندرية على هذا الخليج من النيل، وكان عليها معظم ماء النيل، فكان يسقي الإسكندرية وبلاد مريوط، وكانت بلاد مريوط في نهاية العمارة والجنان المتصلة بأرض برقة، وكانت السفن تجري في النيل وتتصل بأسواق الإسكندرية. وقد بلط أرض خليجها في المدينة بالأحجار والمرمر، وانقطع الماء عنها لعوارض سدت خليجها ومنعت الناس دخوله فصار شربهم من الآبار وصار النيل على يوم منهم. أ.ه.

ومسافة اليوم التي ذكرها المسعودي هي عبارة عن المسافة من الإسكندرية إلى الكريون؛ أي: طول ترعة شيديا القديمة، بينما الفرع الذي يوصل الماء إلى الكريون كان أثرا للفرع الكانوبي القديم. ويعلم لنا مما قاله المسعودي أن الجزء الثاني في ذلك الحين كان أيضا يفوق الأول أهمية، إذ إنه كان يوصل المياه إلى الجزء الآخر.

أما عزو إنشاء هذه الترعة إلى كليوبطرة فهذا أمر يشق علينا أن نجد له تفسيرا يقبله العقل، فهو غلطة فادحة في التاريخ، فالذي حفرها إنما هو الإسكندر الأكبر عند إنشائه مدينة الإسكندرية.

ومجمل القول: إن ترعة الإسكندرية كانت لدى الفتح العربي تمر بهذه النواحي وهي: زاوية البحر، والنقيدي، ودنشال، ودمنهور، وأفلاقه، وكفر الحمايدة، والكريون، والإسكندرية، (انظر الخريطة 4).

وقد روى مؤرخو العرب أن هذه الترعة حفرت أو طهرت ست مرات في أزمنة متباينة بالكيفية الآتية:

ففي المرة الأولى قام بذلك الحارث بن مسكين قاضي مصر، وذلك في سنة 245ه (859م).

وفي المرة الثانية أحمد بن طولون حاكم مصر في سنة 259ه (872م).

وفي المرة الثالثة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله وذلك في سنة 404ه (1013م).

وفي المرة الرابعة السلطان الظاهر بيبرس وذلك في سنة 664ه (1265م).

وفي المرة السادسة السلطان الأشرف بارسباي، وذلك في سنة 826ه (1432م).

وفيما خلا هذه المرات الست دعت الحالة إلى حفر أو تطهير الترعة المذكورة، وذلك في أوقات أخرى أغفل المؤرخون التحدث عنها، فالقسم من شابور إلى النقيدي حفر في تاريخ غير التواريخ التي ذكرناها، وقد حفره شخص ظل مجهولا.

وزيادة في الإيضاح نرى أنفسنا مضطرين أن نقسم الترعة إلى ثلاثة أقسام وهي:

القسم الأول :

من النيل إلى كفر الحمايدة.

القسم الثاني:

من كفر الحمايدة إلى الكريون.

القسم الثالث:

من الكريون إلى الإسكندرية.

وقد قلنا القسم الأول من النيل إلى كفر الحمايدة؛ لأنه هو الذي توالى على موقعه التغيير والتبديل، فاستبدلت نقطة مصدره من النيل مرارا وتكرارا، ومن هنا نشأت استحالة تعيين موضع ثابت له.

أما القسمان الآخران فإنهما مع عدم تبدل موضعهما نرانا مضطرين إلى فصلهما عن بعضهما؛ لأن كليهما كان تابعا لمجرى يختلف عن الآخر، فأولهما كان تابعا للفرع الكانوبي، وثانيهما لترعة الإسكندرية الأولى؛ أي: خليج الإسكندرية.

وها نحن أولاء نبين أحوال الأقسام الثلاثة والمواضع الخاصة بها:

القسم الأول: من النيل إلى كفر الحمايدة

لقد تغير موضع هذا القسم خمس مرات والمراحل التي كان يمر بها كانت كالآتي مرتبة حسب توالي الأزمان:

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحمودية · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحموديةص ٤