يتفرع الفرع البولبتيني من الفرع الكانوبي عند زاوية البحر، ويسير متتبعا في سيره فرع رشيد الحالي إلى أن يبلغ البحر، أما اسمه هذا فقد استعير من مدينة بولبتين: وهي مدينة رشيد الحالية.
وهذا الفرع لم يكن في عصر هيرودوت سنة 450ق.م سوى ترعة حفرتها يد البشر كما ذكر هذا المؤرخ (انظر الخريطة 1)، وقد ورد ذكره بأنه فرع في زمن استرابون فقط؛ أي: في القرن الأول الميلادي، ولما كان هذا الفرع أكثر انحدارا واستقامة في مجراه فقد اكتسب بالتدريج مع مرور السنين والأيام لسرعة جريان الماء في النهر من الأهمية ما جعل الفرع الكانوبي يفقد أهميته، فتضاءلت أهمية جزئه الممتد من زاوية البحر إلى البحر حتى صار هذا الجزء عبارة عن ترعة لا أكثر.
وبهذا صار البولبتيني فرعا، وأصبح الكانوبي ترعة، وسنشرح ذلك فيما بعد. (4) تطورات ترعة الإسكندرية
لما ابتلع الفرع البولبتيني شيئا فشيئا الجزء العلوي من الفرع الكانوبي من زاوية البحر إلى رأس الدلتا للأسباب التي سبق إيضاحها - وذلك ليكون فرع رشيد الحالي - انحط بالتدريج الجزء السفلي من الفرع الكانوبي من زاوية البحر إلى خليج أبي قير حتى صار ترعة لا غير، ومن الواضح أن هذا التطور لم يتم طفرة بل ببطء وتدريج.
ومن العسير معرفة الوقت الذي ابتدأ فيه انحطاط هذا الفرع، الذي كان أهم فروع النيل، غير أنه من رأينا أن ذلك لا بد أن يكون قد حدث قبيل القرن الخامس الميلادي؛ لأن إميان مارسلان
Amien Marcellin
الذي زار مصر في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي ذكر الفرع الكانوبي بهذه الحالة كما ذكر مصبه.
أما هذا الانقلاب بقضه وقضيضه فلا بد أن يكون قد تم قبيل القرن السادس الميلادي؛ أي: قبل فتح العرب لمصر، والدليل على هذا أنه لم يذكر ذلك مؤرخ من مؤرخي العرب حتى المتقدمين منهم، بل لم ينوه أحد منهم بذكره أيضا، وعلى ذلك يكون هذا الفرع قد زال واختفى من الوجود بهذه الكيفية في القرن الخامس الميلادي.
وبعد أن أضحى هذا التطور أمرا مقضيا صار الجزء الممتد من زاوية البحر إلى الكريون؛ ترعة يتفرع منها فرعان: أولهما: يشغل مجرى الفرع الكانوبي القديم (الترعة الكانوبية الآن) يذهب إلى خليج أبي قير. والثاني: يبدأ من شديا ويذهب إلى الإسكندرية وهو خليج الإسكندرية، وقد توارى أولهما عن الأعين وزال سريعا، وذلك أيضا قبل الفتح الإسلامي، كما يؤخذ من بيان جان
Jean
أسقف نيكيو
Nikiou
3
في تاريخه الاستقرائي، ومن بيانات مؤرخي العرب؛ وذلك لأمرين: (1)
أن الفرع المتجه إلى الإسكندرية كان عليه تموين مدينة لها تلك الأهمية؛ لذا كان دائما أبدا موضع عناية كبرى، الأمر الذي ساعد على جر المياه نحوه. (2)
أما الفرع المتجه إلى خليج أبي قير فقد كان يمر بمنطقة قاحلة أو على أكثر تقدير ذات محصول زهيد، فأهمل وجف بسبب تحول الماء جميعه إلى الفرع الآخر؛ ولذا اختفى وتوارى على عجل أو انحط وصار ترعة لا أهمية ولا قيمة لها البتة؛ لأننا لم نر أحدا تكلم عنه.
وهذه الحالة هي التي دعت أولا جان أسقف نيكيو في القرن الأول الهجري - القرن السادس الميلادي - ومن بعده ابن عبد الحكم في القرن الثالث الهجري - القرن التاسع الميلادي - وغيره من مؤرخي العرب الذين نقلوا جميعا عنه إلى القول بأن الملكة كليوبطرة هي التي ساقت خليج الإسكندرية حتى أدخلته إليها، ولم يكن يبلغها الماء، كان يعدل من قرية يقال لها كسا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية.
ومن الجلي أن هذه الرواية ليس لها نصيب من الصحة؛ لأن كليوبطرة ليست هي التي أنشأت هذه الخليج، غير أن الإنسان لو فحصها فحصا دقيقا صارفا النظر عن مسألة كليوبطرة؛ لتبين له أنها لا تخلو من شيء ترتكز عليه.
ذلك أن الفرع الممتد من الكريون إلى الإسكندرية ظل باقيا، وظلت سيرته كذلك باقية تتداولها الألسن، وفحواها أن هذا الفرع حفر ليوصل إلى الإسكندرية مياه الكريون، وذلك من الفرع الكانوبي، أما فرع الكريون الممتد إلى خليج أبي قير، فكان قد زال وزالت من الوجود أيضا سيرته.