وبعد دمنهور يسير الفرع الكانوبي في مجرى ترعة دمنهور القديمة المبينة بخريطة علماء الحملة الفرنسية، والتي يشغل موضعها في الوقت الحاضر الطريق الزراعي بين دمنهور والعطف، ويستمر في سيره إلى أن يتصل بترعة الأشرفية بجوار قرية أفلاقة.
ومن هناك يسير الفرع المذكور إلى الكريون وشديا (النشو البحري) التابعة لمركز كفر الدوار؛ أي إلى مبدأ خليج الإسكندرية القديم.
وبعد شديا يتتبع الفرع الكانوبي جانب ترعة الإدكاوية القديمة المسماة الآن الترعة الكانوبية ، (انظر الخريطة 4)، تاركا كوم مازن على يمينه، ثم يسير عندئذ متتبعا مرتفع الأرض الصغير الفاصل بحيرة أبي قير عن بحيرة إدكو، ولا ريب أن هذا المرتفع هو محل الفرع القديم الذي كانت ضفافه كما هي الحال الآن مرتفعة بلا شك ارتفاعا قليلا عن سطح الأرض بحكم فعل الطمي، وبعد ذلك يمر بين كوم الذهب وكوم الطرفاية، ويبلغ البحر عند الكوم الأحمر الواقع على سكة رشيد، والمسمى الآن بالطابية الحمراء؛ نسبة إلى الحصن الذي بني فوقه، (انظر الخريطة 3).
والفرع الكانوبي كان لا يقع عند هذه النقطة، بل يمتد فوق ذلك ستة كيلومترات في خليج أبي قير، حسبما ذكر محمود باشا الفلكي بالصفحة 79 من مذكرته الفرنسية عن مدينة الإسكندرية في الأزمان الغابرة، وإليك ترجمة ما قاله: «إن سبر غور الماء الذي قام به مسيو لاروس
Larousse
قبيل عام 1859م في مرفأ أبي قير لا يترك مجالا للشك في أن موقع مصب الفرع الكانوبي كان في سفح تل الكوم الأحمر.
فمجرى مصب النهر يرى في الواقع جيدا في قاع ماء المرفأ وظاهرا بين رأسين. وهذان الرأسان الممتدان من الكوم الأحمر إلى أن يقتربا من جزيرة أبي قير على مسافة زهاء ستة كيلومترات من اليابسة في الوقت الحالي، لا يزالان إلى الآن يضمان بين جوانبهما مجرى المصب على مسافة ستة أو سبعة أمتار تحت سطحومسيو لاروس الذي ذكره الماء، بينما لا يزيد عمق هذا الماء نفسه فوق الرأسين عن مترين أو ثلاثة أو أربعة.
وقد تكون الرأسان المذكوران تحت سطح البحر من طمي النيل بالطبع، كما تكون الرأسان اللذان نراهما الآن في كلا المصبين الحاليين اللذين يمتدان في البحر مسافة تزيد على ستة كيلومترات، فتكون من كليهما بهذه الكيفية رأسان ممتدان بعد رشيد ودمياط.
ولا بد أن رأسي المصب الكانوبي كانا في الأزمان الغابرة فوق مستوى سطح البحر، وبالتالي مكونين مع الساحل لغاية رأس أبي قير شبه ميناء لمدينة كانوب». أ.ه.
ومسيو لاروس الذي ذكره هنا محمود باشا الفلكي كان مهندسا تابعا لشركة قناة السويس ، وقد كلفه الوالي سعيد باشا أن يسبر غور خليج أبي قير، والأبحاث التي قمنا بها بنفسنا في مايو سنة 1933م في الخليج المذكور، والأطلال التي عايناها أيدت صحة ما ذكره لاروس تأييدا تاما. وتأكدنا فوق ذلك أن سطح هذا الخليج كان في الأزمنة الخالية فوق مستوى سطح البحر. (2) تاريخ خليج الإسكندرية
لما أنشأ الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية كان عليه بادئ بدء أن يفكر بالطبع في إيجاد وسيلة لتزويد المدينة الجديدة بالماء؛ لأن الماء القليل الذي يحصل عليه أهالي ضيعة راكوتيس
2
من المطر والآبار لا يمكن أن يكفي حاجة سكان مدينة لها أهمية المدينة التي عزم هذا الفاتح الكبير على إنشائها، فكان من المحتم أن يوجه الفكر إلى ينبوع آخر ماؤه أكثر غزارة، وهذا الينبوع لا يمكن أن يوجد إلا في البحر الكبير؛ أي: النيل. وكان فرع هذا النهر الأقرب إلى موقع المدينة الجديدة هو الفرع الكانوبي (انظر الخريطة 3)، وإلى هذا الفرع اتجه النظر للحصول على الماء من مدينة شيديا - النشو البحري - لأن المسافة التي بينها وبين المدينة التي عقد العزم على تشييدها أقصر منها بين هذه وأي موقع آخر. وعلى هذا حفرت من شيديا إلى الإسكندرية أول ترعة للإسكندرية في فترة إنشائها، وذلك في عام 331ق.م، ورأس هذه الترعة القديم وفمها لا يزالان إلى اليوم بالحالة التي كانا عليها في عصر إقامتهما على ترعة الناصري القديمة التي تمثل مجرى الفرع الكانوبي مصغرا عن شكله القديم. (3) الفرع البولبتيني