تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت فوهة ترعة الإسكندرية واقعة في الرحمانية وتصل إلى الإسكندرية ابتداء من زاوية غزال متتبعة تقريبا نفس اتجاه ترعة المحمودية الآن.

لينان باشا ناظر الأشغال العمومية

وما زال يرى للآن مواضع كثيرة من حافات هذه الترعة القديمة التي كان عرضها صغيرا وتكاد تكون العناية بصيانتها معدومة وغير صالحة للملاحة مطلقا.

ولم يرد محمد علي أن تحصل الإسكندرية على كفايتها من الماء فحسب بل أراد فوق هذا أن تكون كافية لإنشاء البساتين والحقول والمزارع في ضواحي الإسكندرية وعلى ضفاف الترعة، وأراد كذلك ترتيب الملاحة ابتداء من النيل لغاية الإسكندرية بواسطة المراكب الكبيرة.

وللوصول إلى هذا الغرض أمر بتنظيم ترعة المحمودية بالحالة التي هي عليها الآن، وسماها ترعة المحمودية باسم مليكه السلطان محمود الجالس على العرش.

ويدهش الإنسان لدى فحص رسم هذه الترعة، فعوضا عن أن يقام مدخل المياه محل نفس مدخل الرحمانية القديم أو موضع آخر أكثر ارتفاعا يرى أنه وضع في محل أشد انحطاطا حتى عن فوة وأن جانبا من هذه الترعة عاد فصعد مجرى النهر لغاية زاوية غزال قرب دمنهور، ويدهش أيضا من كثرة الاعوجاج والانحناء في تخطيط الترعة.

والترعة القديمة التي كان مأخذها قائما عند الرحمانية كان تخطيطها أيضا مماثلا لترعة المحمودية، فكانت تصعد لغاية قرب مدينة دمنهور، وذلك بقصد الابتعاد عن أراضي ملقة دسيا

6

الشديدة الانحطاط والتي كانت ملأى تقريبا دواما بالغدران، وهذه الأراضي كانت في العصور الخالية على ما يحتمل جزءا من بطائح بحيرة إدكو، ومن المحتم أن هذه الترعة كانت تمر على جزء من هذه الأراضي مردوم، وهذا أمر على كل حال فيه ما فيه من الضرر.

والسبب في عدم إقامة مدخل المياه في الترعتين القديمة والجديدة في موضع أبعد جنوبا هو أنه عندما يصعد مدخل الماء فيكون أبعد جنوبا يزيد انحدار الترعة ويحول دون ترك مجراها حرا، وهذه الحالة تستدعي إقامة أهوسة لمرور المراكب وحجز المياه للري.

والسبب الذي حمل على نقل مدخل المحمودية إلى العطف التي هي أحط من فوة هو غالبا أن مدخل الرحمانية كان مسدودا بجزيرة، وأن الضفة في هذه الناحية كانت مستقيمة الامتداد في مسافة طويلة بينما كان يوجد في العطف كوع شديد الانحناء ودوامات هائلة، الأمر الذي أوجب تعميق قاع النهر وأدى إلى ارتفاع قليل في هذا الموضع، وهذا الارتفاع مما يساعد مدخل الترعة.

والسبب عينه الذي جعل الجزء الأول من الترعة القديمة يصعد نحو الاتجاه الجنوبي الغربي عوضا عن اتجاهه رأسا نحو الغرب هو أنه لدى تخطيط ترعة المحمودية عوضا عن أن يراد اجتناب الجزء المنخفض من ملقة ديسا اجتنبت الأراضي المنحطة المجاورة لبحيرة إدكو التي لم يكن من المستطاع اجتيازها.

أما المنعرجات التي في الترعة فالبعض منها اقتضته مواقع القرى والبعض الآخر نجم عن غلط محض.

وكان النظام في الوقت الذي فيه أنجزت أشغال المحمودية التحضيرية أقل كثيرا أيضا مما كان فيما بعد. فلقد كان المهندسون غير حاصلين إلا على قسط صغير جدا من المعارف، وتعرفت بهم بعد، وأمكنني أن أرى كل المصاعب التي لا بد أن يكون قد عاناها مسيو كوست الذي كان وقتئذ كبير المهندسين في هذه الأشغال، والمهندسون من ناحية أخرى لم يكونوا أعلنوا بقرار محمد علي إلا وقتما كان العمال قد استعدوا وأخذوا يفدون على ساحات العمل، ولم يكن هنالك وقت للقيام بأي شيء من الاستعدادات، والرأي لم يكن استقر بعد على الرسم، والأوتاد لم تكن غرست في الأرض، وكان هذا القياس يجري وقتما حضر جميع العمال وأخذوا في العمل، ولم يكن حينئذ هناك وقت ليعين لكل واحد المحل الذي يجب أن يشتغل فيه. وكل مأمور قسم أو شيخ قرية كان يصل مع جماعته من العمال الذين لم يكونوا معروفين من قبل، وبما أن المهندسين كانوا لا يعرفونهم اضطروا أن يتركوا كل واحد منهم يعمل في الوضع الذي يناسبه ، وكانوا يحفرون حسبما اتفق وبوجه التقريب في الاتجاه، ولضم هذه القطع المحفورة بلا روية ولا تعقل بعد ذلك إلى بعضها دعت الحالة لخلق زوايا ومنحنيات بقدر ما يستحسن، وهذا هو سبب وجود هذه المنعرجات التي تدق خفاياها عن الفهم.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحمودية · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحموديةص ٢٢