تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان استحضار الفلاحين للسخرة أمرا سهلا للغاية في تلك المدة حتى إنه على ما يقول أهالي ذلك العصر جمع للعمل في هذه الترعة 360000 فلاح.

وكثير من مأموري المراكز وكبار المشايخ اشتركوا هم أنفسهم في نفقات الرجال الذين استحضروهم، ودعت الحالة في كثير من المواضع إلى الحفر في الطين وفي محال أخرى قريبة من الإسكندرية عثر بالحجر. وتكلف المرور من غوطات بحيرة أبي قير كثيرا من الوقت والنقود، ودعت الحالة لإقامة ضفاف الترعة بالردم وحصر جانبيها بين جسرين مبنيين امتدادهما من 10 إلى 12 كيلومترا على أقل تقدير.

وبعد حفر الترعة بزمن طويل كان من اللازم نقل شحنات المراكب عند مأخذ الماء من مركب لآخر إذ لم يكن هناك أهوسة، وهذا ما جعل للعطف أهمية كبرى فأثرى فيها كثيرون.

وقسم الترعة من العطف إلى زاوية غزال انطم بالردم أولا فأقيم مأخذ جديد للماء قدامه، وأخذ هذا المدخل يصب ماءه في ترعة المحمودية، ولكن هذا ما لبث أن اعتراه أيضا ما اعترى المأخذ الأول.

والأرض الشاسعة الواسعة المعروفة بملقة دسيا

7

استعملت كذلك لتغذية المحمودية، وكانت هذه الأرض تستخدم في فصل التحاريق بصفة خزان، فكانوا يملئونها بالماء في وقت الفيضان.

وهذا الماء يلقي فيها ما فيه من الرواسب، وبعد ذلك يصرفونه رويدا رويدا في ترعة المحمودية، وملقة دسيا هذه لعبت إذن هنا نفس الدور الذي لعبته في الأزمنة الخالية بحيرة موريس الكبيرة (في الفيوم في زمن الفراعنة).

وفي سنة 1842م أقيم هويس عند مأخذ مياه المحمودية في العطف فيه تسير المراكب مطلقة الحرية وأيضا هويس آخر في مصبها عند البحر في ميناء الإسكندرية القديم.

ولتغذية الترعة في زمن التحاريق استعملت ترعة الخطاطبة التي مأخذ مائها في هذا الفصل يعلو 7,80 من الأمتار عن المحمودية والخطاطبة تستمد الماء رأسا من النيل، وفي استطاعتها أيضا أن تجعل مياه ترعة المحمودية ترتفع الارتفاع اللازم للملاحة.

ولهذه العملية ضرر لا يستهان به؛ ذلك أن ترعة الخطاطبة هذه تستخدم لري المديرية، ولسهولة هذا الري تقام بين مسافة وأخرى سدود من مدر الأرض وقش الأرز أو حزم الحطب، ومن اللازم فتح هذه السدود بين وقت وآخر لتجري المياه في أجزاء الأرض الأكثر انحطاطا لتأخذ هذه هي الأخرى نصيبها من هذه المياه، وبما أن من كانوا يقومون بعملية الفتح لا يكلفون أنفسهم عناء رفع المدر الذي تتكون منه هذه السدود فتقذفه المياه في المحمودية، وهذا مع طمي المياه الذي يتكدس على مدى السنين ينشأ عنه ردم الترعة ردما شديدا.

ولقد حدث مرارا كثيرة أن جرى الكلام بصدد إزالة هذه الضرر وتحسين ترعة الخطاطبة، ولكن لم يحصل شيء من ذلك. وهذه الترعة مخططة تخطيطا حسنا للغاية وتقريبا بامتداد مستقيم بموازاة النهر لكنها تمتلئ بالردم؛ لأنه يوجد على امتدادها كثير من السدود التي تقام في زمن الفيضان، وهذه السدود تدعو الضرورة لبقائها خوفا من تدفق المياه بكميات كبيرة في المديرية، وبالأخص في ترعة المحمودية التي تصب فيها هذه المياه، فمن الواجب أولا بعد تقوية شواطئ وسنادات الخطاطبة تقوية شديدة إقامة سحارة من الموضع الذي منه تصل مياه هذه الترعة إلى مياه ترعة المحمودية؛ لتمر منها مياه الخطاطبة تحت مياه ترعة المحمودية وتذهب إلى بحيرة إدكو وتنصب فيها.

وعند فتح جمع السدود في وقت الفيضان وبعد زرع الذرة يحدث تيار شديد فيه القوة الكافية لرفع الطمي والرمال الراسبة في قاع الترعة، وبهذه الوسيلة يتم تطهير مجراها بطول امتدادها فلا تعطي المحمودية - سواء أخذت الطبقة العليا من مياهها التي ليس بها إلا القليل من الطمي أم من فوهتها التي بالعطف - إلا القدر الضروري من الماء، وتصريف ماء الخطاطبة هذا في بحيرة إدكو بواسطة السحارة له أيضا فوائد جمة: أولا: صيد السمك في البحيرة الذي يأتي بدخل وافر فيزداد دخله وفورة عندما تصب كميات كبيرة من الماء الحلو في البحيرة ؛ لأن السمك يدخل فيها من البحر من مصب إدكو بكثرة، وطالما طلب صيادو السمك في البحيرة وأهالي ضواحيها وألحوا في طلباتهم بزيادة كميات مياه النيل في البحيرة، ثم إنه مع كرور الأيام ومرور السنين ترتفع أيضا سواحل البحرية بسبب الطمي الذي يجلب إليها وتصير سواحلها بعد بضع سنين صالحة للزراعة.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحمودية · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحموديةص ٢٣