والماء الذي ينقص من هذه البحيرة بواسطة التبخر تعوضه سنويا المياه التي تنحدر إليها من مياه مديرية البحيرة في زمن الفيضان، ولقد حاولوا التخلص من هذا المحذور بإجراء فتحات واسعة متباعدة تباعدا مناسبا، وهذه الفتحات تتلقى المياه غير اللازمة للري في ضواحي دمنهور وتصبها في الترعة، وهذه الاحتياطات لا تفي بالغرض المقصود منها؛ لأن ترعة بني سلامة (رياح البحيرة) التي تتلقى مياه الجيزة تجري في اتجاه حوش عيسى وتصب مباشرة في البحيرة بعد أن تكون روت أرض المديرية العالية.
إن الترعة التي جميع طول امتدادها يبلغ 80252 مترا يكاد انحدارها لا يشعر به، ومع ذلك تستدعي الأحوال إغلاقها بسد شديد المتانة في مدة الفيضان، وإلا ارتفعت المياه وعلت الشط وأتلفت بلا نزاع جسور البحيرتين.
ويكون من الأفضل الاستعاضة عن هذا السد المكون من تراب تكتنفه أوتاد، بكبري حاجز وحوض (هويس) بقرب مدخل المياه، وبذلك يمكن أن يستغنى عن هذا السد الذي يقام ويهدم سنويا فضلا عن الفائدة التي تعود من عدم تعطيل سير المراكب، وفي فترة امتدادها أربعة أشهر تقوم العوائق في سبيل المواصلات، ويضطر إلى تفريغ البضائع من المراكب القادمة من القاهرة قبل السد ونقلها بقوة السواعد على مراكب أخرى في الترعة، والبضائع التي تشحن من الإسكندرية تتعرض لنفس هذه الإجراءات بكيفية عكسية، وهذه الارتباكات تزيد نفقات النقل وينشأ عنها تأخيرات.
وكان في الإمكان من بادئ الأمر اجتناب هذه العوائق لو أن المهندس التركي الذي كلف بإنجاز هذه الأشغال لم يبدأ الأعمال بادئ بدء بدون اتباع قواعد الفن، إذ إنه لم يهتم بأي عمل تحضيري بل وجه طائفة من فلاحي الوجه البحري إلى هذه النقطة بدون أن تستحضر الآلات اللازمة لمثل هذه العملية، ولم يعمل مخازن للمؤن لتأمين معايشهم، فهلك خلق كثيرون من هؤلاء التعساء من العطش والجوع أو من سوء المعاملة وشدة التعب التي لم يتعودوها، والجنود المكلفون بحراستهم لم يدعوا لهم وقتا للراحة وأخذوا في تشغيلهم من شروق الشمس إلى أن يرخي الظلام سدوله.
وكان هؤلاء الفلاحون مكرهين على أن يحفروا الأرض بأيديهم، وأن يظلوا في الماء الذي يرشح من كل النواحي، وراح منهم ضحية زهاء 12000 فلاح في ظرف عشرة شهور وغطى الشط عظامهم.
والوالي سمى الترعة المحمودية؛ لأنها حفرت في زمن حكم السلطان محمود. أ.ه. (4) مذكرة لمسيو لينان باشا
وكتب مسيو لينان دي بلفون بك (باشا)
Linant de Bellefonds
مهندس القناطر الخيرية في عهد محمد علي باشا، وفيما بعد ناظر الأشغال العمومية، مذكرة عن ترعة المحمودية في كتابه الفرنسي: «مذكرات عن أعمال المرافق العامة الهامة التي تمت في مصر» طبع باريس سنة 1872م، و1873م من ص348 إلى ص355، وإليك ترجمتها:
لقد كانت مدينة الإسكندرية في سنة 1810م كما يقال مدينة عربية صرفة، وكان النادر من الأوربيين المشتغلين فيها بالتجارة والقناصل هم وحدهم الأجانب، ولم يكن هناك من يفكر في إقامة المنشآت والمصانع وانتشار التجارة التي أخذت طفرة تنتشر وتتسع اتساعا كبيرا في عهد حكم محمد علي، والمواصلات التجارية الداخلية مع الإسكندرية كانت تجري بطريق البحر من دمياط أو رشيد، والمسافرون الذين اعتادوا السفر إلى القاهرة كانوا يأخذون هذا الطريق أو يذهبون برا بامتداد طول البحر، ويركبون المراكب في رشيد؛ ليصعدوا في النيل، وفي سنة 1816م، وحتى سنة 1819م كانوا لا يزالون يستعملون هذا الطريق. غير أنه منذ بضع سنوات خلت كانوا يشعرون بالحاجة الملحة لتحسين المواصلات.
ولما كان عدد سكان مدينة الإسكندرية أخذ في النمو والازدياد فقد شعروا بالعوز إلى الماء الحلو . والواقع أن الماء لم يكن يوجد إلا في بعض الصهاريج التي كانت تتغذى في فصل الشتاء بمياه الأمطار أو المياه التي يجلبها النيل في زمن الفيضان السنوي بواسطة ترعة الإسكندرية القديمة وبمجاري تحت الأرض.