تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس يحل المشكل الإنساني، إلا ناموس الوجود، وقانون الطبيعة. من حاد عن فطرة العالم في سياسته، حاق به العذاب. كل شيء سائر بنظام حسن، ألا ترى دوران الكواكب بحساب لا يتغير، وسير النواميس الطبيعية بنظام عجيب، وهكذا غرائز الحيوان، كنسج وهندسة النحل، وسياسة النمل، وجمهورية كلاب البحر، أفلا يكون لهذا النوع ناموس لراحته، ونظام لم يكتشفه للآن، وربما كان حاضرا لديه، يراه في غدوه ورواحه، وهو مع الغافلين، كما كان يرى البخار صباحا ومساء والناس عنه ساهون.

فلننظر في هذا الإنسان، نجد جسمه منظما، معتدلا، فطوله ثمانية أشبار بشبره، وإذا مد يديه إلى الجانبين، كان طوله كعرضه، هكذا سائر أعضائه بميزان عجيب. وأكثر الحيوان والإنسان تولد بحواسها الخمس، إلا النادر جدا، كما ندرت مدارس الصم البكم والعمي.

أفليس هذا الوضع دالا على حكمة عالية، غرست في نفوسكم كل ما تحتاجون، حتى تتم سعادتكم في الحياة بنظام، كما كملت أجسامكم، ونظمت حواسكم. والعناية التي نظمت الأعضاء والحواس لا تغفل عن تنظيم القوى والملكات.

أوليس من العجيب أن يمتد النظام إلى ما هو أعم من نظام الأجسام، فارتقى إلى نظام مجموعكم، فإنا نرى الذكران والنسوان في المواليد على سطح الكرة الأرضية يكادون يتساوون.

وما الزيادة النادرة، أو القليلة في النوع، إلا كعدد الصم البكم منكم، وإن زيادة نحو خمس عشرة امرأة في إنجلترا في كل ألف رجل وامرأة أثقل كاهلها، فأنت وشكت، وبكت، في هذه الأيام، ومن عجب أن قاعدة الذكران والإناث لم تخطئ في بلدة، أو إقليم، أو جيل، ولو أنها أخطأت مثلا عشر سنين لأخذ الإنسان في الانقراض، ولو أخطأت خمسين سنة، لذهبت الأمم، وبادت، ولكنا نرى ذلك مضطردا أبدا، وما سمعنا انقراض الذكور أو النسوان في أمة، بل الميزان العمومي في العالم دائم الوزن، ولا جرم أن ذلك وضع للحياة المشتركة.

ولم يقف عند هذا الحد، بل تعالى إلى الملكات والقوى فجعل استعداد العقول موزعا حسب الحاجة كما في الذكور والإناث، وترى الشعراء المطبوعين في أممهم قليلين، وكذا الفلاسفة والموسيقارون، والبارعون في الجمال وحسن الصوت، وترى عشاق العلوم المغرمين بها ينبتون في الأمة حسب حاجتها، كالمستعدين للصناعة، والزراعة، والتجارة.

وكما أننا نجد طولا وعرضا في الجسم بمقدار محدد للمصلحة، وأعداد الذكران والإناث كذلك في الإنسان والحيوان والنبات، ولم يكن من خطأ فيها إلا عرضا، ونادرا، فهكذا استعداد العقول للفلسفة، والموسيقى، أو السياسة العامة، أو العلوم الصناعية، فالفطرة منبثة في النفوس بذورها حسب الحاجات قلة وكثرة.

وكما أن الأمم الوحشية لم تفقد الذكران أو الإناث حتى تقترض لهم أناسا من أمم أخرى، ليسدوا عوزهم للاقتران، فهكذا يخلق لكل أمة ما يلزم لسد عوزها على حسب حاجتها، فالمستعدون للأعمال العالية الأقلون، وأهل القبول للحرف المختلفة والعلوم والمعارف يكثرون.

أما آن الأوان لاستثمار ما استكن في الأرواح الإنسانية، وما ذراه الله في العقول، من تلك الفطر المودعة في الثلثين الضعيفين من النوع الإنساني.

أفليسوا إذا تركوا وشأنهم، أو تعمد إخماد نار جذوة أفئدتهم ينحطون إلى درجة البهائم، ويخسر الراشدون من النوع الإنساني مواهب ونفوسا لو سقيت ماء العلم، وأحيطت بسور من الرحمة، لشاركتهم في استخراج كنوز الأرض، واستدرار بركة السماء، واستنتاج خيراتهما ومواهبهما المخزونة فيهما.

وكما وزعت الحرف والصناعات والعلوم بقدر الحاجة، فهكذا قسمت أنواع الخيرات على بقاع الأرض، فلكل تربة حظ صالح من المنافع لا ينجع فيها سواه، فهذه معدنية، وتلك زراعية، والأخرى جبلية، وغيرها ذات غابات.

إن الراشدين من الأمم سلطوا غضبهم السبعي على إخوانهم في الإنسانية الضعفاء، ولم ينموا من عقولهم، أو يستثمروا من أرضهم، إلا على مقدار منافعهم وخسروا هم أنفسهم ربحا كثيرا، خسروا مودة إخوانهم، وراحة بالهم، والفطر المودعة المدفونة في نفوسهم، والمنافع الكامنة في الأرض المرهونة على بروز فطر زراعها، حتى تفيض عليهم على مقدار ما ظهر من مواهبهم، وعقولهم وقدرهم.

أين الإنسان · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٧٤