تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سخر الإنسان الحيوان أحقابا، وأنزل عليه من سوط عذابه، وجهنم غضبه ما أرهقه ألوانا، ثم اكتشف البخار، والكهرباء، فأنالاه بعض الراحة، وفرح بما أوتي من النعمة، نور عظيم، وثمرة وفيرة، أثمرها ثلث عقل الإنسان، فما يكون حالها إذا ما عقل القسمان الآخران، وجاءت قاعدة التضعيف في الفائدة الناجمة من تربيع الثلاثة الأقسام، فلا جرم تثمر بقاع الأرض تسعة أضعاف ما لدينا اليوم، وإذا استخرج ما في الأرض من منافع وثمرات بهذه العقول كانت النتائج أضعافا مضاعفة بالتربيع.

فلا جرم أن بين نواميس الكائنات الطبيعية، والمسائل الاقتصادية، مناسبة تامة، فتربيع حركات الأحجار الساقطة من أعلى الجبل، قد تتخطى إلى ثمرات الأعمال الإنسانية إذا ازدوجت وائتلفت، وليست ثمرات العقول المتحدة على الأعمال على وزان ما أثمره العقل الواحد، بل إنما يكون بنسبة تربعية، فإذا كان للواحد ثمرة فلثلاثة متحدة تسعة، وعلى وزانه ثمرات الأرض، ولسنا نطلب المحال من الأمم من إغماد السيف، وكسر المدفع، ولكنا نقترح أن يكون لجنود العقول المجندة في ساحة القتال الاقتصادي، الغاديات الرائحات في تدبير الأمم والممالك لجنة دائمة، تضيء حالكات المشكلات، وتفسر لهم الحوادث، وتلتقط من تلك الساحات مرضى الآراء، فتنقلها إلى مستشفياتها العلمية والفلسفية، كما تفعل جمعية الصليب الأحمر في ساحات الحروب الجسمية، والميادين الحربية، وهذه أهم مباحث تلك اللجنة: (1)

هل قوى نوع الإنسان موزعة عليه توزيعا حسب الحاجة كما في الذكورة والأنوثة؟ (2)

هل المنافع موزعة على سطح الكرة الأرضية توزيعها على العقول؟ (3)

أيهما أنفع للأمم الرشيدة أتسير على منوالها المرسوم ولا تتجاوز في سياستها أصغر الحيوانات كالنمل أم تعدل عنها إلى شرفها وإسعادها وصداقتها؟ (4)

إذا كثر تعداد أمة أفلا تعطى أرضا من بلاد أخرى بمقدار نموها . (5)

أيحسن أن تحصى أراضي الأمم العامرة والغامرة. (6)

أوليس من الجهل الفاضح أن تصرف قوى الأمم إلى قتال أنفسهم، ويذرون محاربة الطبيعة لإخضاعها! أوليس من الواجب أن يوضع ناموس عام لإصلاح الأرض في كل أمة، وتمدين الشعوب التي هي نصف رشيدة، والتضافر بعد ذلك على إصلاح الباقي من الأمم، طوعا أو كرها، ثم يبين مقادير ثمرات العقول الخامدة، إن أوقظت من غفلتها، وقامت من سباتها وأشربت العلم والحكمة! وما مقادير فوائد الأمم الرشيدة منها؟ (7)

أليس سعادة الإنسان في أن يكون ذا ملكة في فن خاص تضارع غرائز الحيوان كنسج العنكبوت وهندسة النحل، فإذا وصل النوع إلى هذه الملكات، فما مقدار الفوائد إذ ذاك؟ (8)

الدول اللاتي تربح من إضعاف غيرها وجهله، فما الذي يجب أن يستعيضوا عن الربح بدل ما فقدوه، وهل يحكمون العقود فيستديموا بعض تلك الثمرات؟

هذه أهم المباحث التي يتناولها أطراف البحث في هذا الموضوع العام حتى يخرج النوع الإنساني من أزمة الهلكة، أوليس الإنسان اليوم معاقبا على جهله بهذه القواعد! أوليس الهلع في الممالك واستعبادها وإضاعتها أموالها أحزانا وآلاما وضياع قوى وفوات ثمرات، تضاهي مضاهاة حقيقة تلك المواهب المسلوبة من الأمم الضعيفة والأراضي الغامرة، في أنحاء الكرة الأرضية!

ولإيضاح هذا نقول: إن الله أفاض على الإنسان عقولا، وأوسع له الأرض، ولن ترضى تلك العروس الجميلة الولود إلا إذا تزوجها كفء كريم، وهل يكافئها أحد إلا العقول الإنسانية كافة على سطح الكرة الأرضية، كما كان الرجال جميعا كفوء النساء عموما وكانوا عددهن، فانتظم نسلهم، ولعمرك ما قام بعمارتها إلا ثلث الإنسان الرشيد، ثم أخذ يضعف مواهب كثير من الأمم وسخرها لإرادته، وقهرها لسطوته، فساموهم الخسف، وأصلوهم نارا حامية، فاستثمروا نصف عقولهم، وبعض منافع أرضهم، فأجدبت منهم عقول وأراض كثيرة، وغرائز كامنة، فكان العقاب والجزاء مقدرا بالذنب، جزاء وفاقا.

أين الإنسان · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٧٥