الفصل العشرون
| وهو خلاصة الكتاب
في بيان استخراج السلام العام في الأمم من النواميس الطبيعية، والنظامات الفلكية والفطر الإنسانية، وبنيان السياسة على أساس الطبيعة، وأن مدنية اليوم حيوانية، ودعوة الناس للإنسانية الحقيقية، وبيان أن الإنسان لم يفهم إنسانيته، وخطاب موجه لفلاسفة الأمم، ثم نوابها وملوكها، يدعو الأولين لبحث هذا الموضوع، والآخرين للتعاون على العمل.
قال السيد جامون: «النوع الإنساني أرقى أنواع الحيوان بعقله، أفلا يحب أن يكون أرقاها نظاما، وأعدلها دستورا، وأعمها مدنية، ولكنا وجدناه لم يزل في طفوليته في النظام، ولم يرتق عن النمل في السياسة ففيه السادة والعبيد. وأرقى الأمم في المدنية بحسب عرفكم اليوم تضارع أنواع السباع والصقور في سيطرتها القهرية، بسلاحها لا صلاحها. مجموع النوع الإنساني اليوم قسمان: سادة كالحيوانات المفترسة، وعبيد كأكالة الكلأ والحشيش، وأهم نظريات أكابر الأمم القائدين لغيرهم أربع: (1) العقول الإنسانية يجب أن تخدم القوة الغضبية. (2) بالقوة الغضبية والسلاح يقهرون غيرهم. (3) ثم يربونهم كالأنعام يتخذون أصوافها وألبانها. (4) الشهوات تغشي على العقول فتسلبها الشفقة والرحمة على الضعفاء كما سلبها ذابح الحيوان لأكله.»
قال أرسطو قديما: يتميز الإنسان عن الحيوان بنظره في العواقب، ولم يخالفه فلاسفة الأوروبيين والأمريكيين، ونحن نبين ماذا فعل بعقله أولا وبم امتاز.
إن عقل الإنسان زاده أرجلا يمشي عليها، وهي آلات النقل، كالترام والسيارات، والقطارات والبريد والسفن العظيمة، وأطال أظفاره الضعيفة، بما يلائم مخالب السبع، ويزيد عليها، من الرصاص والمدفع والأساطيل والجنود المجندة، والسفن الغاطسة، والدوارع السابحة والقباب الطائرة المسلحة، وأناله سواعد أخرى بآلات الحرث والزرع والبناء وما أشبهها، وأنبت له ما هو كأجنحة الطير، من القباب الطائرات وما أشبهها، وهل زاد الإنسان بهذه القوى المسخرة له بابتداع العقل إلا شهوات بهيمية، أو قوى غضبية، ولم يعرج على الإنسانية، ولم يمدها عقله بالسلام أيما إمداد.
الإنسان دائر في الدائرة الحيوانية، ونسي أنه إنسان، أنا لا أفهم ما أمتاز به عن الحيوان، ولا أدري، أين مدنيته وهل تحققت.
كان الإنسان يحبو كالطفل على الأرض، فاكتشف البخار، فانتصب قائما يمشي بالقطار، وبه قطع الكرة، وها هو استنبت له الجناحين ليطير في الهواء، وهل بعد هذا إلا البحث عن المدنية والإنسانية، أين هما، وكل ما اكتشفه لا يغني عنهما شيئا، وما معرفته للعواقب بممتازة كثيرا عما ركز في نفوس الطيور الطائرات، والحيوانات السارحات، والحيتان الغاطسات، من تدبيرها بيوتها وتربيتها أولادها، وحفظها جماعاتها، إلا امتيازا نسبيا، ليس يحل الإنسان المحل اللائق بمقامه إلا متى دبر المجموع الإنساني المجموع الإنساني.
إن نظر الأفراد في مستقبلها، والأمم في شئونها الحالية والمستقبلة، يشارككم فيه أكثر الحيوان. ومتى تولى المجموع تدبير المجموع، ظهر معنى الإنسان وتجلى للعيان، ثلث هذا النوع رشيد، وثلثه نصف رشيد، وثلثه غارق في بحار الجهل، ويحاول الأول اتخاذ بعض الثاني، وجميع الثالث كالحيوان، إذ يتخذون من جلودها صوفا ومن ضروعها ألبانا، وطوائف هذا الفريق فيما بينهم دائمو العداوات، لما لهم من القوى المتكافئة.
وإني ليجدر بي أن أطرح على بساط البحث بين فلاسفتكم وحكمائكم من جميع الأمم الأرضية، على اختلاف نحلهم، وأجناسهم ومللهم، هذا السؤال، أيهما أنفع للثلث الأول الرشيد، أيكون الثاني مثله في الإنسانية يعاونونه، أم تتنزل ملكاتهم، إلى دركات الحيوانية؟ فإن كان الأول أنفع، وثبت بالبرهان، فلا مناص لملوك الأمم، وقادة الشعوب، من السير على منواله، وإن كان الثاني، بقي النوع الإنساني على ضلاله إلى الأبد.