الحقيقة المحزنة
قال: الأمم الإنسانية اليوم تحسن لغيرها طمعا في ابتلاعه، وحبا في اقتناصه، فعلها مع الشياه المعلوفة، والبقر السائمة، والجمال السارحة، يربي الرجل الشاة ويذبحها، فيذهب شرهه برحمته ، وحرصه بشفقته، وطمعه بعطفته، قد غلبت شهواته رحماته، وأمات حرصه وجدانه، إذا ساغ هذا مع الشياه فكيف يسوغ مع الإنسان.
هكذا فعل مع الإنسان، وقرنه في عقله مع الخرفان، فلا فارق عنده بين الحيوان والإخوان، وإذا أطعم أخاه فإنما يطعمه ليكون له طعاما، والأمم الراقية لا تمتاز عن الهمجية في هذه القضية، فإن خدموا غيرهم، وأصلحوا أرضهم، وساعدوا أبناءهم فإنما ذلك ليكونوا لهم مسخرين، الخراف عندهم والإنسان سواء، جهل الناس عقولهم، وإذا اجتمعت طائفة من العقلاء وتشاورت، فإنما يتبعون أخس الآراء، كمثل السباع الضارية، ذلك لأن كل فرد يسند الرأي للمجموع ويحمل بهم على الجموع، إن الإنسان لظلوم كفار جهول.
ثم أومأ إلى غلمان وراءه، وكلمهم بما لا أفهم، إذا كتاب مطبوع بالتصوير الشمسي بحروف إنجليزية، وهو كتاب اللورد أفبري
The Peace and Happiness
فأراني في صفحة 292 عبارة في فصل تحت عنوان
The Peace of Nations
فقرأت ما ترجمته: قال أحد السياسيين اليابانيين: لما كانت اليابان لا تهتم إلا بالصناعات القيمة، والفنون الجميلة، والأعمال الشريفة، كانت أوروبا تعدهم نصف متوحشين، وتسومهم سوء الذم والمقت أجمعين، فلما أن أهلكوا خميسا عرمرما من الروس، وأزاحوا عن أبدانهم الرءوس. قالت أوروبا: إنهم قوم متمدينون، وأناسي صادقون. ثم تناول مني الكتاب، وقال: وهل تريد برهانا على ضعف قواكم العقلية، وملكاتكم الإنسانية أقوى من هذا البرهان.
مساكين يا أهل الأرض، إذا رجعت إلى قومك أيها الإنسي فخبرهم أنهم للعذاب معرضون، وللهوان مسارعون، إذا داموا على ضلالهم المبين فتلق نصيحة السيد «جامون» بقلب واع، وفؤاد حافظ، وبلغها لأهل الأرض لعلهم يعلمون.
فرجعت إذا السيد «جامون» متربص قدومي، منتظر رجوعي، فلما رآني واستقر بنا الجلوس. قال: يا ابن آدم الأرضي لا تحزن، فسألقي عليك درسا فانشره بين الأمم، وقل لهم ينعموا النظر وليشرحوه، وليفكروا فيه بعقولهم، ولترسله إلى مشارق الأرض ومغاربها. فقلت: لك الشكر، وعلي السمع والطاعة. فقال: وإني سائلك قبل نصيحتي عن أممكم العظيمة، هل داووا جراح الحرب؟ فقلت: نعم، بمحكمة «لاهاي» يحكمون فيما اختلفت فيه الأمم من صغائر الأمور. فقال: وهل هذا دواء ؟
ألا إنما مثلهم مثل الطبيب المأجور الذي لا يبالي بالمريض، إذا آنس فيه أمراضا ظاهرة، لها أصل خفي في الأعضاء الباطنة، داوى القروح بالمراهم، وترك الباطن، فلم يستأصل داءه، ولم يستقص أصله، ويقطع جذوره من أعماق الجسم، ذلك مثلكم.
فقلت: هناك أطباء يداوون الجرحى، من وخز الأسنة، وطعن الرماح، وفتك المدافع. فقال: وما منعهم أن يقتلعوا المرض بالحكمة، والفلسفة، وهلا دعت أمة منهم العلماء المغرمين بمنفعة النوع الإنساني، فاصطفت من كل أمة رجلا، سواء في ذلك أمم المشارق والمغارب، لينظروا في التحاب والتواد، والتعليم العام بين الأمم. وإني سأضع لكم مباحث، تدور عليها محاور أبحاثكم وآساسا تبنون عليها قصور علمكم، وتشيدون حصون حكمتكم، وترفعون بنيان مجدكم، ولا أدعكم على غير هدى، وإننا الآن بما وصفنا وما سنصف نريد من الأمم أن تكون كالرجل الذي يحفظ صحته بقانون حفظ الصحة، بالسير على منواله، وإقامة وزن حياته، حتى لا يقع في التهلكة المرضية ولا تنتابه الأسقام، إلا مما يفاجئه من حوادث الجو، فيلجأ إذن للدواء.
وخير الأطباء من نصح بحفظ صحة الأصحاء، وشرهم من تركهم وشأنهم، بحيث يتخبطون في أمراضهم، حتى يدوم احتياجهم لدوائه، أكثر أيام حياتهم. ثم قال: وقد آن أن أوجز لك ما أردت في مقال، أخاطب به أمم الأرض أجمعين.