النحل بلغت النهاية في الرعاية، ورقت أعلى صفة في الهندسة، ووكل لغريزتها تشكيل أبنائها، وبناتها، ونظام ذريتها. والإنسان حرم هذه الغريزة، ومنع هذه الفضيلة. وتكفلت الفطرة بتشكيل الذكران والنسوان، ونظام عددهما، وتقارب مقدارهما، وقيل للإنسان: ضع كل امرئ في درجته، وأقم كل أمة فيما أعدت له. قسمنا لك الذكران والنسوان، وعدلنا في تعدادهما، وتقسيم الغرائز النافعة على أفراد نوعهما، ففتش عن الغرائز، وابحث عن الطبائع، واستعن بكل من الأفراد والأمم على ما خصص له بفطرته، وما هيئ له بغريزته، تقول الحكمة الإلهية للإنسان: وكلنا للنحل أمر بدايته، وعليها أعناه، ولم نبح له أن يتخطى حدها ويتعداه، وقد أحكمنا لك أمر البداية، فتول أنت شأن النهاية. فقلت له: وما الحكمة الزاهرة؟
الحكمة الزاهرة
فقال: لقد أحسن علماء التشريح والنفس، عرفوا تقسيم الأعمال الإنسانية، والحركات الحيوانية، فألفوها موزعة على أجزاء المخ، منظمة مرتبة، والناس عنها غافلون.
للعين مرآتها في مؤخر الدماغ، وللأذنين مرآتاهما في الصدغين متخالفتين بحيث ترتسم آثار الأذن اليسرى جهة اليمين، وآثار اليمنى جهة اليسار.
عرفوا أن أعصاب الحركة أقرب إلى المقدم والجبهة حول الشق الداخل في الدماغ، الذي اكتشفه العلامة «رولاندو» الألماني، ومعها الأعصاب المحركات للسان، أدركوا كيف كان للغات لوح منقوش نحو وسط الدماغ، وللحروف المكتوبة لوح محفوظ نحو أعلاه، لوح الكتاب مخلوق وهو عند العامة غير مكتوب، وعند المتعلمين مكتوب.
كل ذلك عرفه العلماء بالتجربة، وأدركوه بالتمرين، هكذا بحثوا في أنواع الحيوان، من سمك يعوم، وحمام يطير، وصقر يصيد، وقرد ذي تقليد، وإنسان ذي بيان.
لو زل المخيخ الذي خلف المخ لاختل سير الإنسان، وزاغ، ودار على نفسه في مشيته، وضل في أعماله. رتبت أحوال الإنسان على الدماغ، فمؤخره لنظام العين، ومقدمه لسائر الحركات، عجب عجاب، حقيقة أدركها الطبيعيون، فيا ليت شعري، ماذا فعل الحكماء والسياسيون، أنتم والله نائمون غافلون.
يا حكماء الأمم، ماذا فعلتم، ماذا أدركتم، ماذا فهمتم، حرام عليكم حرام، لكم عقول فأين نتائجها، وآذان فأين مدركاتها، وأبصار فأين غاياتها، الإنسان غافل نائم ساه مسكين. يا حكماء الأمم، يا عظماء الرجال، خبروني أليس الإنسان كله كشخص واحد ؟ وهل الفطرة التي نوعت الأعمال في الدماغ، ووزعت الإدراك، والحركات على أنحاء المخ، يغفل مبدعها، ويأنف صانعها أن يقسم الأعمال الإنسانية، على سائر الآدميين، من سكان الكرة الأرضية؟
جهل الناس! إن جهل أمة، أو ضعفها، راجع بالضعف على الباقين، إنما الأرض كالجمجمة، والناس على سطحها موزعة عليهم الأعمال، توزيع القوى على سطح الدماغ، تعاونت قوى الدماغ، فهل تعاونت الأمم على أديم الأرض تعاون قوى الدماغ على ظاهر المخ، ألا إن الناس صالحون فرادى، ضالون جماعات. فقلت: وما الحكمة الجميلة؟
الحكمة الجميلة
قال: وهل أتاك نبأ الحكمة الجميلة، والجوهرة البديعة، واليتيمة الفريدة؟ إن الناس يحبون من أغدقوا هم عليهم النعم، وليس المنعم عليهم بأشد حبا لمن أسداهم المعروف من المحسنين لهم. فقلت: أوضح المقال. فقال: الوالد والمعلم والحكيم والنبي أشد حبا للولد وللمتعلم وقارئ الحكمة والمؤمن من الآخرين للأولين. فقلت: زدني إيضاحا. فقال: الوالد يحب ولده أكثر من حب الولد له، وهكذا المتعلم مع الأستاذ، وسائر المحسنين، ألا ترى أن أولئك المحسنين يرون في إبقاء صنائعهم إحياء لمجدهم، وتخليدا لذكرهم، وشرفا عظيما لهم، ولا جرم أن رب الدين يحب بقاء المدين ليستوفي دينه.
ألا إن أولئك أشبه بالمدينين، والأولون أشبه بالدائنين. ولو أن الأمم عرفت النافع والضار لأحبت بقاء جاراتها، وسرها تعميرها الأرض، ورقيها وحضارتها، لا سيما إذا أدركن ما بينهن من التضامن في المنافع، وعملت كل منها لغيرها عملا مقصودا بالذات، مخلصة في نفعها، دائبة على إخلاصها، فيصبح الناس أجمعون محبين محبوبين، وترى كل أمة محسنة لغيرها مدينة لها، ولكن أكثر الناس لا يحبون إلا بالرياء، ولا يعملون لسواهم إلا وهم يخادعون. فقلت: إن الإنسانية سائرة على هذا النهج القويم، فالتجارة متبادلة، والحياة مشتركة، والصنائع موزعة، والأسواق آهلة نافعة، والمدارس عامرة. فقال: كلا، ولكنها الحقيقة المحزنة. فقلت: فأفدني ما الحقيقة المحزنة؟