الماء أكسوجين وأودروجين، والحرارة الشمسية أخرجت بخاره، والجسم أجزاء وعناصر تتقد نارا بالتفاعل، وتعرض لها عوارض بالتمازج، وأعراض الأجسام من الحرارة الغريزية والمفاعلات الكيماوية، كأعراض الماء بالحرارة الشمسية، فإذا تجدد أول العرضين بالمشاهدة والعيان فما أحرى ثانيهما بالتجدد وما أحقه بالدثور، وكيف تبقى آراؤكم وعلومكم وأخلاقكم ومحباتكم طول الحياة والجسم دائم التحليل والتركيب وأعراضه متجددات على أعداد اللحظات؟ إن في ذلك لآيات للمتفكرين.
النفس شقيقة المادة، إنهما أختان تارة تجتمعان وأخرى تفترقان، ولكل منهما صور وأعراض، فليعتبر العقلاء، وليتذكر أولو الألباب.
ثم قال: إننا نضرب لأطفالنا الأمثال بمثل ما شاهدت الآن. ثم أبصرت آسادا كآسادنا وأسلاك التلغراف ممتدة على الأعمدة الخشبية. فقال: إن هذه عندنا كمحال الآثار عندكم، فإذا أردنا تدريب أبنائنا على الاستنتاج في أحوال كوكبنا أو الكواكب الأخرى، أريناهم أشكالها، ونصبنا لهم آثارها، وقلنا لهم: اكتبوا عليها بأسلوب كما سأريك الآن، تطبيقا على المشاهدة والعيان، ألا فاسمع الحكمة مني، وخذ العلم عني، واعلم أنه ضل ابن آدم بخصلتين؛ فضل المنطق، وفضل السلاح، فأما فضل المنطق، فإنه إذا رام اهتضام حق، أو غصب ملك، عمد إلى الأقوال فزينها، وقصد إلى الكتابة فنمقها، ولبس الحق بالباطل، وأبرز الكذب في صورة الصدق، وزخرف القول زورا، فيرفع من شأن نفسه، ويحط من حق غيره، في المجالس والطرقات، والمعابد، وعلى صفحات الجرائد، وينشر ذلك فيما شاء من دولة، ويفيض به فيما أراد من أمة، حتى يخيل للسامع أنه حق، فيعطف على القائل، ويذعن للقول، لا سيما في هذا الزمان، الذي تفرعت فيه فروع البريد البخاري، والبرق السلكي، والبريد الأثيري، بتلغراف «مركوني».
واعتبر ذلك في الأمم الغالبة، فتراها تكذب وتنشر الأقاويل المنفرة عن الأمم الضعيفة، لتستمرئ ابتلاعها، وتسوغ هضمها، ظلما وزورا، وما أسرع تصديق الناس، وما أكثر خطأهم، وما أشد جهلهم، فإن أكثر الناس لا يعلمون.
فأما فضل السلاح، فذلك أن ابن آدم دافع عن نفسه قديما، تارة بالحجر، وأخرى بالعصا، وآونة بالمدر، وطورا بالحديد، ووقتا بالرصاص، فظن ذلك الأمر الاضطراري جبلة راسخة، والعارض ملكة ثابتة، فتوغل فيه، وأخذ يتفنن في السلاح والكراع، جعل ذلك مقدما على غيره من الأغذية والأدوية والملابس.
جهل الإنسان أصله، إن الإنسان لكثير النسيان، كانت الحرب للمدافعة، فاتخذها للمطاردة، وقام المدني على نهج الوحشي، فهو ظلوم وابن ظلوم، جهول وابن جهول، كفور وابن كفور، كان الكلام للإفهام، فجعله للخصام، واهتضام الحقوق، وخراب المدن، وإخافة الآمنين، فلعمرك لقد ضل ابن آدم بخصلتين؛ فضل المنطق وفضل السلاح.
هذا ما أردت أن تعتبر به من الآساد والأسلاك البرقية وهو المنظر الثاني والعشرون، ثم انظر إلى هذه الأسلاك من وجه آخر وهو: (16) وحدة الإنسان
نوع الإنسان كرجل واحد، ودليلنا على ذلك أسلاك التلغراف الممتدة في الهواء، ألا ترى أنها أشبه شيء بتلك الأسلاك الشعرية، التي تنوف على ثلاثة آلاف عصب شعري، تبتدئ من تجويفي الأذنين، وتتصل برملات صغيرات قد لا ترى بأكبر المجاهر المعظمة، وجميعها واصلة إلى الدماغ، فإذا ورد على الأذن صوت التقطه عصب من تلك الأعصاب الدقيقة المتصلة برملة من تلك الرملات وأوصله إلى الدماغ فأحس به الإنسان، ولكل صوت سلك عصبي من تلك الأعصاب يوصله إلى الدماغ، وما أكثر أنواع الأصوات في العالم، وما أكثر الأسلاك العصبية. فلكل صوت من تلك الأصوات عصب من تلك الأعصاب، كما أن لكل عرق من عروق النخلة عملا خاصا في التغذية، إذ تجتلب العناصر الأرضية، وتوصلها إلى أجزاء النخلة العلوية.