تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما أحراكم ألا تقفوا عند المال، ولا تشغلوا بالعرض عن الجوهر، وأن تعمدوا إلى الفضيلة والحكمة حتى تنفتح أعين بصائركم، وتشرق الحكمة من قلوبكم، حتى إذا عصفت عواصف الحدثان، وتقلب الجديدان، وذهب الأطيبان، وتألبت المؤتفكات، رجعتم إلى قلوبكم، ونلتم سعادتكم، كما سيرتم السفن بأمثال هذه الصنائع.

فقلت: إذن لا قيمة للمال، ولا فضيلة في العلوم، ولا خير في البنين والأصحاب؟ فقال: يا هذا، كل ما ذكرته عون على السعادة عند ذي الفضيلة، فمن حرم الفضيلة كانت كل هذه وبالا عليه، ومن حازها كانت مددا لسعادته، وزيادة في جماله وبهجته؛ فالجاهل قليل الثمرات. والفقير عديم المبرات. املأ القلب والعقل علما، واليد مالا، واستعن بالأصحاب وكن كما تشاء في الدنيا، على شريطة أن تتم حكمتك، وتبقى عفتك، وتظهر شجاعتك، فالمال والعلوم والجاه والولد، تصلح لخيرك وشرك، ونفعك وضرك، وكما يحزن العنين لحرمان الولدان، يشقى الوالد بابنه الكسلان.

وكما ترى في الجهلاء من هم لإخوانهم خادعون، ولأوطانهم خائنون، فهكذا ترى في الشعراء والأدباء والعلماء من ينافقون، ويمكرون، ويخادعون إخوانهم وهم في الشقاء خالدون، وكما ترى الصعلوك يحزن لذلته، ويشقى لرثاثة حالته، كذلك ترى الملوك والأمراء في شقاء دائم، فإذا اتسمت نفسك بالفضيلة فالمال والجاه والعلوم بها أولى لتكون شجرة جميلة الأزهار غزيرة الأثمار نضرة الجمال.

أما هذا المنظر السادس وهو النساء اللاتي تراهن فوق الجبل فإنهن يمثلن الحكمة والفضيلة التي أشارت لها تلك العلوم وسهلت سبيلها الأخلاق، ويقطع السبيل عنها الشهوات، فاسع إليها، ولا تنم بالجهل عنها، فإنك إذن تكون من السعداء المصلحين.

وما العلوم الأدبية إلا كالترجمان يفهم الحكمة، وما أقل العاقلين!

وكما أن معرفة اللغات الأجنبية وسيلة للعلوم لا مقصودة بالذات، فهكذا العلوم مقصودة لغيرها، وهي الحكمة والسعادة والفضيلة، فمن أصغى إلى نصائح تلك النساء المشيرات لقمة الجبل الممثلات للعلوم، رقى إليه وحظي بالتاج والجمال، وما أقل السعداء سعادة حقة في العالمين.

ألا وإن السعادة سعادتان، سعادة وقتية، وسعادة دائمة، فسعادة الجهلاء وقتية، كالذي يتخطى عقبة إلى عقبة، ويعبر خندقا فيقابله خندق، وذلك بالحظوظ الوقتية من المال والجاه والعبيد والسلطان وأمثالها، وأما السعادة الدائمة فهي التي نصبوها من أنفسهم وخبئوها في عقولهم وأودعوها في أرواحهم، وهناك سعادة عامة تجمع الأمم جمعاء وهي أن تتعاون الأمم على عمارة الأرض ، وسيصلها نوع الإنسان في مستقبل الأزمان. (15) النفس

ثم انطلق بي حتى علونا الجبل بعد ما كادت نفوسنا عند الغلصمة، وشاهدنا من آيات الجمال والبهاء والحسن ما لا يحلم به أكثر العالمين، ولبسنا التاجين، ونلنا الحسنيين، ورأيت جنة خضراء زينة للناظرين، لا أستطيع وصفها، ولا أعلم كنهها، قد ازينت للمدكرين وأعدت للعاقلين المفكرين، فلما سرنا بجانب خليج من خلجانها، ماؤه لجين، ذي ضفتين خضراوين زبرجديتين نظر إلى بخار مائه يصعد في الجو بحرارة الشمس، فتبسم ضاحكا كالمستهزئين، ثم لوى كشحا كالساخرين. فقلت: مم تضحك؟ فقال: انظر البخار، إذ علا في الجو وطار، فإن بعض علماء النفس عندكم يزعمون أنها نفثة من نفثات الجسم، وعرض عرض لامتزاج العناصر، ومزاج الذرات المتفاعلات، فكأنه هذا البخار المتطاير، ولو صح ما قالوه لنسي العاقل اليوم ما قرأه أمس، ولمحيت سطور لوحه بالطمس، وكيف ينام الرجل ويستيقظ ثم يتذكر ما فعله في أمس الدابر، ويحصر في عقله ما وعاه من أيام صباه، ويجمع القديم والحديث في بخار ضعيف، ومن تذكر بعد النوم ما عمل من قبله، فسوف يذكر عند الموت وبعده، ما سطر في لوح عقله، ولو كان ذلك اللوح كهذا البخار، ما بقي يوما أو بعض يوم، وكيف يبقى أمدا طويلا والجسم يتبدل في بضع سنين؟ فما أكثر الجاهلين من الآدميين.

أين الإنسان · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٦٦