تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كانت أجزاء النخلة كثيرة من أغصان وألياف وجمار وبلح ونوى وجذع، كثرت الفروع ودقت، ووزعت الأعمال عليها توزيعا متقنا، واتصلت عروقها الأرضية بطوائف من الأنابيب الدقيقة الممتدة في جذع النخلة الواصلة إلى الأغصان والألياف والجمار إلى آخره، هكذا كانت الأصوات الواصلة إلى آذان الإنسان السارية في الأسلاك العصبية، المبثوثة في الأذن الواصلة إلى الرأس، وهكذا كانت أسلاك التلغراف، توصل الأخبار من أمة إلى أمة، ومن قرية إلى قرية، ومن إنسان إلى إنسان.

فوضح أن الإنسان كله شخص واحد، له أسلاك خارجية تشابه الأسلاك الداخلية، وهل الحيوان له في هذا نظير، وهل له وحدة تجمع أشتاته كما جمعت الإنسان.

لا جرم أن الإنسان أقرب للاتحاد، فقتاله وحربه جهل فاضح وظلم واضح وغفلة عن الصراط المستقيم. (17) الماديات والمعنويات

ثم قال: الجنس البشري الأرضي تردد بين عاملين، المادة والروح، فأما البوذيون والبرهميون ومن على شاكلتهم من الصين والهند، ومن نحا نحوهم من بعض متأخري المسلمين وقدماء المسيحيين، فإنهم أحبوا التجرد عن المادة، والتخلي عن الشهوة، والانقطاع إلى العقل والتبتل، والدخول في باحات الأرواح وساحات الخيال، ومن كانت هذه حالهم، تألبت عليهم الأمم، وغلبتهم الطاغية.

وأما الماديون من الرومان وبعض فلاسفة الإفرنج الذين جنحت هممهم إلى تقوية المادة، فأولئك الذين يرقبون غفلة غيرهم، وينكلون بهم، ويؤذونهم أذى شديدا، ويعذبونهم عذابا أليما ثم تدور الدائرة عليهم، إذا طغوا وبغوا فيصبحون في ديارهم جاثمين.

ألا وإن طريقنا الذي نختاره أن تأتلف القلوب وتتحد النفوس وتتعاشق الأرواح ويصبح الإنسان كله كإنسان واحد ناظم أمر الجسم والروح، ثم ليتحدوا في أعمالهم. (18) الوحشية

ثم قال: الوحشية في العالم صنفان، طبيعية وصناعية، فوحشية الآساد والصقور اقتضتها الطبيعة الكونية، والحكم النظامية، لتزاحم الناس والحيوان، لإزالة الرمم، ودفع الغمم، المعفنة للهواء، المميتة للأحياء. ووحشية الإنسان صناعية جاهلية، أكسبته إياها عوائد الجاهلين ولصقت به لصوق العار للفاسقين، وعادات السوء للغاوين، إنكم يا معشر أهل الأرض جهال ضعاف العقول، أولا ترى كيف تدليتم إلى الحضيض الأسفل عن السباع والضباع والذئاب والكلاب، إذ صرفتم قواكم إلى القوى الدفاعية والهجومية، ألم تر كيف كان مجموع دين ممالك أوروبا سنة 1870: 4000000000 أربعة بليون جنيه، وقد بلغ الآن 6000000000 ستة بليون جنيه صرفتموها على الجيوش الجرارة، والسيوف البتارة، والمدافع الضرارة. وانظر إلى هذا الجدول تعرف عدد الجيوش وما يصرف عليها كل سنة:

الممالك

عدد الجنود

ما يصرف سنويا

بريطانيا

420000

65000000

روسيا

1150000

46500000

ألمانيا

661000

43800000

فرنسا

620000

41000000

النمسا والمجر

384000

19400000

إيطاليا

305000

17000000

إسبانيا

100000

6700000

السويد والنرويج

73000

5500000

تركيا

370000

4800000

هولاندا

35000

3650000

بلجيك

50000

2500000

برتغال

34000

2600000

سويسرا

148000

1300000

اليونان

23000

1200000

دانمارك

14000

1200000

بلغاريا

43000

1000000

الولايات المتحدة

107000

40000000

أليست تلك المبالغ وأولئك الجند خسارة وحسرة على الإنسان؟ أفليس ذلك دليلا على أنكم تنزلتم عن الحيوانية، وابتدعتم أقصى الوحشية، وجهلتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني، وغركم الغرور؟

لقد حق القول عليكم، فأصبحتم لا تعلمون من الإنسانية إلا الوحشية، ولا تفقهون من الحكمة إلا البهيمية.

فامتعضت لهذا القول وأنكرته واستهجنته. فقال: أوتنكر الشمس في رابعة النهار، أوتكذب ما صدقه العيان، ثم قال: أين أنتم من الحكمة المقدسة، والحكمة الذهبية، والحكمة العالية، والحكمة الزاهرة، والحكمة الجميلة، والحقيقة المحزنة؟ فقلت: وما الحكمة المقدسة، والحكمة العالية، والحكمة الذهبية، والحكمة الزاهرة، والحكمة الجميلة، والحقيقة المحزنة؟

أين الإنسان · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٦٨