وهكذا فلتعلموا أن الشر والمصائب في بني الإنسان، أشبه الأشياء بهذه التلال والآكام، فإذا رويتموها بماء العلم، وبذرتم فيها بذور الحكمة أثمرت لكم ثمرا طيبا، وجني دانيا، فمن هذه التلال صنعت الأثمار، وبالعبرة نمت العقول وصحت الأفكار.
ثم انطلقنا حتى أشرفنا على بستان جميل بديع، خلفه سهل منبسط، وراءه نهر تجري فيه المنشئات كالأعلام، ومن ورائه جبل شاهق صعب المرتقى، طامس الأعلام.
فقال: انظر، فنظرت إذا ست مناظر تجلت لعيني بغتة، أشبه شيء بما رآه الحكيم قابس اليوناني في العصور القديمة، والدهور البعيدة، قبل دولة الرومان والعرب والإفرنج المعاصرين.
المنظر الأول:
نساء جميلات كأنهن مومسات.
المنظر الثاني:
نساء قبيحات الوجوه. قالصات الأهدام، عاريات الرءوس، مسكينات، يخمشن وجوههن، ويضربن صدورهن، وينتفن شعورهن.
المنظر الثالث:
نساء أديبات، مجردات عن الزينة، ساكتات ساكنات، وهن مشيرات إلى الجبل.
المنظر الرابع:
ثلاث نساء كاللاتي في المنظر الثالث.
المنظر الخامس:
السفن الجاريات، تغدو وتروح في النهر ولها شرع تزجيها الرياح وآلات دائرات بالبخار، في باطنها منتظمات.
المنظر السادس:
نساء جميلات، بهيات المناظر، حسان الوجوه، محليات بالدرر كأنهن شموس مشرقات فوق الجبل واقفات بأيديهن تيجان بهيات، بالجواهر مرصعات، فلو رأيتهن لقلت: شموس في أيديهن بدور، وهناك أناس يهرولون في ذلك السهل يشير إليهم أولئك النساء بأيديهن.
فعجبت من هذه المناظر، وجهلت مرجع تلك الضمائر.
فقال: أما النساء الجميلات الواقفات في أول الحديقة، فإنهن تصوير لحال الشهوات الإنسانية، إذ يظن الناس أنها سعادات، وما هي بسعادات، فالأغذية والتزوج، وما أشبهها شملت الإنسان والنبات والحيوان، فهي ليست حقيقة السعادة، وإنما هي أشراك نصبت لقوام الأبدان وولادة الولدان، فمن ظن أنها غاية السعادة وأنهك فيها قواه صار لها عبدا خاضعا، وصارت نفسه كما ترى في المنظر الثاني.
وأما هؤلاء النساء اللاتي يخمشن الوجوه، ويضربن الصدور، وينتفن الشعور، فذلك مثال أولئك الذين ملكتهم الشهوات حتى ظنوها سعادات، فأنفقوا أموالهم، وأصبحت ديارهم قاعا صفصفا، خوالي من الدرهم والدينار، فصاروا لصوصا سارقين، أو مزورين أو لأوطانهم خائنين، أو لأصدقائهم خادعين، أولئك هم الفجار الآثمون.
وأما هؤلاء النسوة اللاتي تراهن خاليات من الزينة وهن يشرن إلى ما فوق الجبل فهن مثال العلوم التي يقرأها الناس في المدارس الشرقية والغربية، كالرياضيات والطبيعيات، والآداب والشعر، والموسيقى والتنجيم، وأكثر الفنون العلمية، يظنها الناس سعادات وما هي بسعادات، إن هي إلا مقدمات والسعادات نتائج.
فقلت: لئن سلمنا لك أن الشهوات بعيدة عن السعادات لأنها تستعبد الجهال، فما بالنا نصدق أن العلوم ليست سعادات؟ فقال: لا تعجل وتربص شرح المنظر الرابع.
فأما ما تراه في السهل المنبطح من تلك النساء الثلاث اللاتي تجردن من الزينة، وهن ساكنات ساكتات، فتلك مثال العفة والصبر، وقوة العزيمة، إنهن لشديدات على الأنفس، بالعفة تصان الشهوات، وبالصبر تنال أعلى الدرجات، فإذا أحكمتم آدابكم، وصنتم شهواتكم، ارتقيتم إلى أوج السعادة.
فأما ما تراه في المنظر الخامس من السفن الجاريات في البحر كالأعلام، وما فيهن من الأدوات التي تتحرك بالكهرباء والبخار، وما عليهن من الشرع المنتفخة بالرياح الهابات، فلتعلم أن المال والجاه والملك والولد وسائر ما تملكونه من أعراض الدنيا وكذا العلوم والمعارف من الحساب والهندسة والطب والآداب والموسيقى والشعر والتصوير وغيرها كالتجارة والزراعة وسائر الصناعات، منزلتها منزلة هذه الشرع المزجية لهذه السفن الجاريات الممثلات لأجسامكم.
إنكم يا أهل الأرض لم ترضوا بالرياح الهابة أن تتحكم في سفنكم بل عمدتم إلى الماء فأسخنتموه وإلى بخاره فأثرتموه، وهكذا مزجتم العناصر واستخرجتم منها الكهرباء فجرت السفائن بأمركم، وسارت بتقديركم.