تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل قرأت ما سطره الفرنسي هنري في الخمر، وعلاقته بالشرقيين؟ قلت: بلى إنه يقول: إن الخمر أمضى سلاح يحصد به نسل الشرقيين، وأنكى جيش يبيد الوثنيين والمسلمين، إنه ضعف الجسد، وموت العدد، وفقد المدد، وضياع البلد، ورق الولد، وذل الأبد، ثم أخذ بيدي وانطلقنا إذا رجل بيده زجاجتان إحداهما مملوءة بالنار، والأخرى بالماء. فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا مثال الحاكم الأجنبي في الأمم الجاهلة، يسقي من زجاجة الماء أبناء بلاده، ومن زجاجة النار أبناء الأمة المحكومة، فيذيع الخمر، ويبيح الميسر لعلهم ينقرضون ويقلون، فما أجهل الرجلين، الغاش والمغشوش، هلا عرف هذا الحاكم الجهول أن الناس إخوان، هلا عرف أن الناس كجسد واحد، فتبا لجهال بني الإنسان، إنهم قوم طاغون، أنتم جهال بالجمال، وأكثر الناس في غفلة وجهل عظيم، صم، بكم، عمي، فهم لا يعقلون، ما أقبح سيرتكم وأضلكم يا بني آدم في العالمين. (11) الحروف الكبيرة والصغيرة

الناس لا يعقلون إلا الحروف الصغيرة، ولا يفقهون الكبيرة، لضعف فطنهم، وقلة فهمهم، وموت نفوسهم ، الشمس والقمر والنجوم، والجبال والشجر والدواب، والبحار والسحاب والأنهار، وما فوقها وما تحتها، هذا لعمرك هو الحروف الكبيرة. لما ضعف تعليمكم، قصرت عقولكم على الحروف الأبجدية، وكلماتها الرسمية، وظننتم أنكم بالكون عالمون، وبما في الأرض والسماء محيطون، ولكن أكثركم عن الحقائق معرضون. (12) الغراب والعود

ثم قال: انظر، فنظرت، إذا غراب يحمل عودا يطير به في الجو إلى عش في شجرة في أعلى أغصانها، حيث الهواء جميل، والنسيم عليل. فقلت: ماذا تعني؟ فقال: هذه الطيور اتخذت من الأعواد والنسالة ودقائق الأشياء التي يحقرها الناس بيتا مزخرفا محصنا بديعا ناعم الباطن، أسكنت فيه أبناءها. فقلت: ماذا تريد بهذا؟ فقال: لو أن الناس عقلوا لبنوا لأنفسهم، وشيدوا لأرواحهم بيوتا من الحكمة والفضيلة، فمرت عليها الحوادث مرور العواصف على عش هذا الطائر وأفراخه، الغراب في حرز حريز. فقلت: لكن المصائب مرة المذاق كالفقر والفراق. (13) الليل والنهار

فقال: ألست ترضى بنظام الليل والنهار، والظل والحرور، والموت والحياة، والحيوان والجماد، والزرع والحصاد، والبر والبحر، والصحو والمطر، والسفر والحضر؟ فقلت: بلى، إني أعرف بعض حكمها. قال: مثل النفوس مثل الآفاق، تجمع الضدين، وتولد النقيضين، كالقبض والبسط، والحزن والفرح، والضيق والشدائد، والآلام واللذات، فارض نظام نفسك كما رضيت بما في الآفاق. (14) السرجين والحدائق

قلت: ما أغمض هذا المقال! وما أبعد هذا المثال! فقال: سر بنا في هذا الصراط المستقيم، فلما سرنا رأيت نخلا يميس في وسط مزارع نضرات، وأشجار خضرات، وأعناب وجنات:

كأن النخيل الباسقات وقد بدت

لناظرها حسنا قباب زبرجد

وقد علقت من حولها زينة لها

قناديل ياقوت بأمراس عسجد

فقال: لعلك أعجبت بهذا الجمال؟ قلت: بلى، ما أجمله! قال: فانظر فيما حول هذه الجنات، فنظرت إذا تلال من السرجين، وآكام من القاذورات، فأحسست بانقباض. فقال: ماذا ترى؟ قلت: منظر عري من الجمال، وتسربل بالوبال. فقال: لقد حكمت حاسة البصر، وعزلت قوة البصيرة، ولو أنك فكرت، لعلمت أن هذه النخلات وأثمارها، والأشجار وجناها، والمزارع وبهاها، ثمرات تلك التلال، بل تلك البلحات الحمر والصفر، والرطب الأسود، والتفاح الملون ، البهي العجيب، هي نفس تلك الآكام المنبوذة، والتلال المركومة، صنعتها اليد الإلهية، وزوقتها الحكمة الربانية، وصاغتها ودورتها ولونتها ومزجتها بالحلاوة، فهذا المكروه هو المحبوب، وهذا المنبوذ هو المطلوب، وفي الأرض أمم عريقة في الجهل والوحشية كما تزعمون، وسيقرءون العلوم كما تقرءون، وترون منهم منظرا جميلا، كهذه التلال صارت بالصنعة والاعتناء ثمرا جنيا.

أين الإنسان · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٦٤