وكم حشرات طائف طاف وفدها
فكان قراها الشهد في سوح داريه (2) البستان والسماء
ثم قال: ما أجهلكم بالجمال، وما أبعدكم عن الحكمة، وما أقربكم للجاهلين، خبرني رعاك الله، لو أن امرأ منكم خير بين النظر في السماء وجمالها، وبين التمتع بالنظر في البساتين وأزهارها، فأي المنظرين أجمل لديه؟ فقلت: البساتين. فقال: أتدري لماذا استبدلتم الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ قلت: كلا. قال: لأنكم لا تعرفون النعم إلا بامتناعها، ولا تحبون إلا ما كنتم عنه مبعدين، ثم نظر نظرة إلى السماء والنجوم وأنشأ ما ترجمته من الإنجليزية:
أضئ يا أيها النجم الصغير
فشأنك في غرابته كبير
وفوق رءوسنا أبدا تسير
كمثل الماس رصع في السماء
إذا ما الشمس غابت في دجاها
وبل النبت في الدنيا نداها
ترينا الضوء يلمع في رباها
أضئ يا نجم في غسق الدجاء
ظهرت بموكب وسط السماء
وتزجي النور منك على البناء
بناظرك المصوغ من السناء
فلا تخبو بغير سنا ذكاء
تضيء الأرض من أعلى سماها
وتهدي من يسافر في فناها
فماذا أنت يا باهي سناها
أضئ فالله خصك بالضياء (3) الهواء والغذاء
ثم قال: إنكم لا تعقلون نعمة الهواء، وتفهمون نعمة الغذاء، وخيرهما أولهما، وما حمدتم الله على الهواء، وحمدتموه على ما أعطاكم بعد منع من الغذاء، فما أجهل أكثر العالمين! (4) الأطباء والمرضى
وعلى هذا المثال، الأطباء والمرضى، فترى الناس لجهلهم بالطب، وحكم هذا العالم البديع، يحقرون ما لا يعقلون من المنافع العجيبة في العقاقير الطبية التي تحيط بهم عن أيمانهم وشمائلهم وفي دورهم وحقولهم، فاضطر أطباؤكم أن يكتبوها بلغة لا يعقلها المرضى الجاهلون، وزينوا لهم أغشيتها، وزوقوها، ليقبلها أولئك الغافلون. (5) العلماء والجهال
وهكذا الجهال، لا يعقلون الحكم فيما يحيط بهم، وفيما يسمعون من الأحاديث والحكايات في سمرهم. فيضطر العلماء أن يسندوا القول لعظمائهم، ويرووه عن كبرائهم من سائر الملل والنحل، والأمم والأجناس، ثم يصوغونه في مقال جميل. (6) الأمم المغلوبة
وترى بعض المتعلمين من الأمم المغلوبة، يصمون آذانهم عما لم يسمعوه من الغالبين، كأن المدافع والعلم مقترنان، وتراهم يقلدونهم في حركاتهم وسكناتهم، وخمرهم ولهوهم، ولعبهم، يظنون أن غلبتهم لهم نتيجة هذه الشناعات، وعلوهم عليهم من أجل هذه المخزيات، فتبا لقوم لا يعقلون، وأف وتف لمن لا يفهمون. (7) الأصنام
كانت تنصب التماثيل وتقام الصور، رموزا على المعاني، ودلالة على الفضائل، فجهل الناس مقصودها، واتخذوها آلهة فعبدوها، واجتمعوا حولها وقدسوها. (8) الرسل
فجاءت لكم رسل، نكسوا الأصنام، وأزالوا تلك الأعلام، ووجهوكم للتعقل والتفكير، والتعليم والتهذيب، فطالت عليكم الآماد، وقست القلوب، فعلقتم بالألفاظ فحفظتموها، وظننتم أنها تنجي في الدارين، وأنتم لا تعقلون لها معنى ، ولا تفهمون لها مغزى، وصار أكثركم يدور كما يدور الحمار في رحاه، لا يجد عن المدار به محيصا، وما من أمة إلا تداوت بكلمات كتابها المقدس فظنت مجرد التلاوة بلا تفكير منجية، وتعليق كتابها على الرأس شافية، وغفلتم عن شفاء عقولكم بالمعاني وسعادتكم في الدنيا بالتفكير. (9) الحكومات
ولكم نظمت لكم الحكومات، لتحفظ أمنكم، وترفع شأنكم وترتق فتقكم، فظننتم في الملوك مثل ما كنتم تظنون في الأصنام، وانقدتم انقياد العميان، وخضعتم للظالمين، فأف لهذا الإنسان. •••
جهل الناس عجائب الرموز، وحكمة الظلمة والنور، والظل والحرور، جهلوا مزية الديانات ووقفوا عند ظاهر الكلمات.
ومن جهل هذه الكائنات، وضل عن هذه المخلوقات، فأحر به أن يجهل سر نظام الحكومات، ألا فليعم التعليم والتعقل في أنحاء الكرة الأرضية.
ألا فليعقل الناس ما حولهم، إن حياتكم اليوم عار وألف عار، أزيلوا ما لديكم من النظامات العتيقة الفاسدة، واستبدلوها بخير منها، فالعلم عجيب، والله سميع قريب، ونظام هذا العالم بديع، والعقل الإنساني شريف رفيع. (10) الخمر والخراب