تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنالك قضى التلاميذ لعبهم، وأتموا رياضتهم، وسمعت رنات مطربة ونغمات مبهجة، فقفل التلاميذ إلى حجراتهم راجعين، ودلفوا إلى أماكنهم فرحين.

فقلت: يا للعجب! هذه الأجراس المدرسية، ذات نغمات شجية من ذات المثالث والمثاني، لتسر نفوس المتعلمين، وترقى بعقول الناشئين.

ثم سمعت نغمات خفية، ورنات شجية، تتخلل الفصول من آن إلى آن، فأخذتني هزة الطرب، وزاد بي العجب، وقلت: ما هذا الجمال والبهاء والحسن.

وهناك كان التعارف بالشيخ الوقور السيد «جامون» بعد طول شوقي إليه، ثم انطلق معي إلى الحجرات فرأينا الأساتذة، إذا آنسوا في التلاميذ سآمة أو مللا أمروا أن يضرب على الأوتار، فيطربونهم ويفرحون، ولدروسهم ينشطون.

فأذكرني ذلك التدريس شعراء الربابة في البلاد الشرقية، فإنهم يطربون السامعين بشعرهم وموسيقاهم، فعلمت أن في الأرض آثارا جهلها المتأخرون، وأن للعلم سبيلا جميلا، وللتعليم طرقا أجل مما عليه أكثر المعلمين، وبالإجمال إن التعليم وصل في مدارسهم إلى درجات عالية، بحيث تعشقه النفوس، وتألفه العقول، كما تألف الغذاء والغناء.

فهذا ما فهمته فيما رأيته وسمعته، فلما أن خرجنا من المدرسة، والدروس قائمة في أوقات العمل، مشى ومشيت في رحباتها، وباحات بساتينها الباسقة الأشجار، الزهية الأفنان، إذا عامل من عملة البستان أرسله الناطور إلى روضة ليسقيها بالماء، فآنست شجرة ورد زاهرة الزهور، وأغصانها الخضر النضرات، المحلاة بأوراقها الزبرجدية، وأقراطها العقيقية كأنها تتقدم إلي بالزهرات الوردية.

إن في الشجرة مئات منها، ولو رأيت ثم رأيتهن يشبهن أيدي الغانيات، يهدين الباقات الزهرية، لزوار دوحاتها، وقصاد ساحاتها، وشاهدت في يد العامل أنبوبا فضيا بهيا، يتدفق الماء منه ويتقاذف بين ثنايا الأشجار، وفي طبقات الحشائش السندسية.

ومن عجب أن الماء في آن انصبابه على أرض الدوحة ترى فيه ألوان قوس قزح، من أصفر فاقع وأزرق زاهر وأخضر ناضر وأحمر قان وبرتقالي زاهر وبنفسجي بهيج، وكأن الماء بلور في تحليل ألوان الشمس السبعة.

وفوق ذلك شاهدت في ثنايا تلك الألوان الخطوط السود الشمسية، تتقاطع أثناء تلك الألوان البهية، فزاد تعجبي، وعلمت أن تركيب مادتهم على طريقة تكفل إبراز الحقائق العلمية، وإظهار العجائب الحكمية.

فلما رآني السيد «جامون» مطرقا مفكرا قال: لعلك سحرك المنظر، وسرك المشهد؟ قلت: إي والله. قال: ألم تكن لكم يا أهل الأرض عبرة، انظر انظر كيف تقدمت الشجرات لكم بوردها العندمي، تأملوا أخلاق الورد، وجمال الزهر، ما لكم عن الجمال غافلين، وعن الفضيلة عادلين، وعلى الرذيلة عاكفين! ألم تر الماء وهو يتدفق منصبا على الأرض، كيف تراه خطوطا مائية جارية، لا يقهر قويها ضعيفها ولا غليظها دقيقها، ولا يتعدى كبارها على صغارها، وذلك أن الماء رفع في أعلى مكان، كما سيرفع بالتعليم نوع الإنسان، فلذلك أخذ كل خط مائي مكانه ونال طلبه مما استعد له من العمل والسبيل.

إن الإنسان إذا تعلمت جماعاته، وقام كل امرئ وأمة بما جبلت عليه نفوسهم، وما يليق بعقولهم، عمل كل على مكانته، وجروا إلى غاياتهم، جري هذه السائلات الماشية إلى أرضها، فأما إذا بقيت على فطرتها، وتمكنت طبيعتها، بغى بعضها على بعض، كما يجري الماء في الأنهار.

فقلت له: لقد رفعت الشجر علينا، وأكبرت الماء المنصب عنا، ونحن أفضل من الحيوان، وأرقى من الجماد ، وأعلى من النبات.

فقال: لقد فعل النبات ما خلق له، وأنفذ الحيوان ما أعد له، وجرى الجماد لغايته، فأما أنتم فلم تزالوا جاهلين خاملين، أنتم لا تعلمون لم خلقتم، إنكم في ذلك مختلفون، أفرأيتم الشجر الذي من فاكهته تأكلون، إنه لا سمع له ولا بصر ولا شم ولا ذوق ولا عقل ولا رجل بها يمشي ولا يد بها يبطش، وأوتي كل ما اشتهاه من غذاء ودواء وحياة، أفرأيتم الحيوان الذي به تنتفعون، إنه أوتي حواس وأعضاء وآلات بها يسعى، وهو درجات بعضها فوق بعض بمقدار الحاجة وما تقوم به الحياة، فلا تظنوا أنتم والحيوان أن مواهبكم وعقولكم وحواسكم خلقت إلا لإتمام ما نقصكم من مواد الحياة.

أين الإنسان · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٥٣