هنالك نظرت نظام حديقة المدرسة فألفيتها خريطة جغرافية، ألفيتها طرقا رملية، ورياضا سندسية زبرجدية، فترى مسافات من الرمل خاليات من الأشجار، تمثل البحار الملحة، وتكاد الصنعة الهندسية في بطاحها تمثل المحيط، ومحيط المحيط وهيئة الأمواج، وزرقة الماء، وابيضاض حواشيه الفضية، وترى الدوحات تمثل الأمم أمة أمة، مقيسة قياس الدرجات العرضية والطولية، فترى الصبيان يلعبون الكرة في تلك الرحبات الرملية، حول تلك الرياض الدولية، والقارات الخضراوية، فترى الشابين يتسابقان ويقول أحدهما للآخر: سر معي شوطا من مملكة «الصين» مثلا إلى مملكة الروس.
ثم وقفوا بغتة وأنشدوا نشيدا لم افهمه، وموسيقاهم تصدح، فطربت طربا وأغشي علي، وغبت عن الشهادة إلى الأحلام، وقلت: هكذا يكون الجمال والسعادة والهناء، العين في مناظر بهجة، ومحاسن بديعة، والأذن في جو من الموسيقى الكوكبية البهية، والقلب في بحر العرفان والأنوار، فهل بعد هذا بهاء وجمال، وهل يبلغ الإنسان هذه السعادة، لمثل هذا فليعمل العاملون.
وبينما أنا غارق في الجمال والبهاء والغناء والموسيقى إذا رجل عظيم الهامة طويل القامة أخذ يوقظني، وقال: قم، فاستيقظت من أحلام إلى أحلام، ومن عالم الخيال إلى عالم الخيال، وقال: قد غشتك الأنوار، وأحاطت بك نغمات الأوتار، وتجلى على عقلك نور الحكمة، وارتديت بالوقار، فغشي على عقلك وأحيط بقلبك، فهل تدري ما معنى الغناء وما الشعر الموزون الذي به غنى المغنون؟ فقلت: لا، وأسعدك الله. فقال: ذلك الشعر الدولي، والحب الإلهي، إنا نربي شبابنا على المحبة العامة بحيث نوقظ فيهم عاطفة أخوية، ومحبة جنسية، لينالوا السعادتين، ويفرحوا باللذتين.
فقلت: وهل هذا الغناء ونغمات الموسيقى داعية لمحبة الدول القاصية، والأمم النائية، وإن حال بينكم وبينهم بعد الشقة، وطول المدة، وفصلهم عن أقطاركم جبال عظيمة، وتخوم شاسعة، وسهول رملية، وضروب حجرية.
فقال: إنما مثل الحب في نوعنا العالي الشريف كمثل الكهرباء لا تثور إلا بالعرك، ولا تظهر إلا بالاحتكاك، فالحب نار في الأشجار إن أوريته ظهر، وإن تركته استتر، الحب الإنساني ساكن في القلوب، ثابت في العقول، قائم بالأرواح، وأكثر الناس لا يعقلون، ولا يعرفون، ها أنتم هؤلاء أبرز لكم الحب العام في سائر الأجسام. فقلت: ماذا تريد بالحب العام؟ فقال: الماء والنار والكهرباء والأثير؛ الماء لا يخلو منه هواء في جميع الأجواء، إنه لبخار طائر، وهو رطوبة غائصة في الطين. والنار جزء من الماء، وهو المسمى أكسوجين، وهي جزء من الأحجار في سائر الأقطار والقرى والأمصار. والكهرباء حب لا يذر عنصرا ولا مركبا ولا ماء ولا نباتا ولا جامدا ولا سائلا. والأثير أصل الكائنات وعنصر المركبات، وهو في كل مكان، وفوق كل زمان، الكهرباء ما ظهرت لكم، ولا أمدتكم بالذخيرة والماء، والدولاب والقطار إلا بقوة بحثكم عنها وتفتيشكم في ثنايا المركبات، حتى عرفتم موجبها وسالبها، ومستقرها ومستودعها، فهل تظنون أن الحب يعمكم بلا بحث ولا تنقيب ولا جد ولا تشمير.
أيقن أيها الإنسان الصغير أنه يوم تقوم قائمة المحبة بينكم، وتثور عاطفة القرب في جنسكم تنالون من السعادة والهناء أضعاف أضعاف ما جنيتم من فوائد الكهرباء، ذلك هو اليوم الذي فيه تعقلون، وفي سعادته تفرحون، وتمرحون، وقد آن أوان سعادتكم، واستخراج الحب من فطرتكم، كما استنبطتم الماء، وأوريتم النار من الأحجار، وأثرتم الكهرباء من الزجاج والماء، وأرسلتم البريد في طريق الأثير بلا سلك تنصبونه ولا قدر تغلونه، ولا فحم توقدونه، فأوقدوا اليوم نار قلوبكم، واستخرجوا نور أرواحكم، وهلموا إلى سعادتكم، وقوموا إلى شرفكم وإنسانيتكم، وتمتعوا بحبكم وشمروا عن ساعد جدكم، وكونوا بالعلم والعقل فرحين، حتى تكونوا من أصحاب اليمين، فهذه المغاني التي سمعت، والمعاني التي بها طربت نقدح بها نار المحبة، ونجتلي بها نور المودة، فهذا تفسير ما أطربك تذكرة لك ولقومك فسوف تعقلون.