تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت: كأنك تريد أننا لم نرتق عن الجماد إلا بالآلام والتعب، وأن عقل العاقل وسمع السامع وبصر المبصر دلالة على نقص اعتراه، فاتخذ تلك الحواس وسائط ليبلغ شأو النبات، وما هو ببالغه.

قال: بعض ذلك قد كان، ولكن الحكمة الكبرى والفائدة العظمى للنصب الذي عالجتموه، والعمل الذي سلكتموه، والعقول المركوزة، والغرائز الموضوعة، والحواس المضيئة، والأعضاء المعينة أن تتعلموا الاستقلال والحرية، وترفعوا بأنفسكم وترقوا بعقولكم عن الدنايا ولا تعولوا على الطبع والجبلة.

فقلت: وكيف ذلك؟ قال: إن النبات لا حياة ولا حس له إلا على مقدار حاجته، وهو موفى المادة غزير الرزق، والحيوان أقل منه رزقا وأكثر نصبا، أنتم أكثر نصبا وأقل حظا من القسمين.

ذلك لأنكم تتعلمون كيف تعتمدون على أرواحكم وعقولكم ونفوسكم، فإذا فاضت نفوسكم وقبضت أرواحكم إلى عالم غير هذا كانت أقرب إلى الحرية، وأبعد عن الذل بما لها من القوة والملكة الفاضلة، والكبرياء عن المادة، والتدبير والعقل المنير، بمقدار نصبكم وتعبكم، وكثرة حاجاتكم، فما عقولكم وما حياتكم الدنيا إلا مدرسة تنمو فيها العقول، وإلا كانت هذه الحياة لعبة صبيانية، فالعمل والعقل والتفكر والتأمل والتدبير، كل ذلك ترقية لعقولكم، لتكونوا في عالم أرقى، فالنبات وإن كان موفر المادة، حسن الصورة، جميل الهيئة، ليس يحس بعناء ولا نصب، ولا ألم ولا تعب، فإن نفسه ضعيفة ضئيلة ليست حرة.

وهكذا نفوس الحيوان، فهي وإن كانت أعلى مقاما، وأرقى نظاما، من نفوس النبات، فهي لا تزال أدنى من نفس الإنسان على تلك النسبة المفهومة.

فقلت: هذا رأي غريب، ما سمعت به في العالم الأرضي. فقال: إن هذا نص عليه العلامة القطب الشيرازي في كتابه المسمى بالأسفار، وهو أربعة أجزاء، وإني رأيتك تقرأ هذا الكتاب، ولكنك نسيت هذا المقام.

ثم قال: إذا فهمت هذا فلتعلم أن الأمم الأرضية الغاصبة حق غيرها جاهلة ضعيفة الرأي لا يعلمون لم خلقوا، إنهم يعتمدون على ما كسبه غيرهم، فتنحط نفوسهم، وينطفي نور عقولهم، فالحروب والخداع، وزور السياسة، كل ذلك حاط لعقولهم، منزل لها من سموها، جهلت الأمم الغاصبة، والله مساكين، مساكين، إنهم يعلمون أبناءهم الكسل، ويظنون أنهم عاملون، يقولون كونوا كاذبين مرتشين غاصبين في صورة مصلحين.

لأضرب لك مثلا رجلا كان له ابن شرير سرق من ختنه متاعا غاليا، فامتعض الختن وكلم أبا الصبي، فتعصب ذلك الأب الغر لابنه وقال: أومثل ولدي يتهم، وهو ذو عز وشمم؟! فتأصلت ملكة السرقة فيه، فسرق مال أبيه، فأصبح من النادمين.

هكذا تلك الأمم المسكينة الضالة الفاجعة لغيرها، دخلت عليها الحيلة، وداهمتها الغفلة، وغشت على عقولها الضلالات والخرافات، فظنت غلبة غيرها حرية، والظلم مدنية، وهم يهلكون غيرهم، وما يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون، فسيرجع أبناؤهم بعد حين، وقد نمت فيهم الرذيلة والطمع، وحكمت على عقولهم سخيمة الشره، فمزقت أممهم على مدى الزمان كما جرى لدولة الفرس والرومان، فهل الأمم اليوم منتهون.

الإنسان اليوم يظن أنه مسارع للحرية، كلا والله لا حرية لمن يأكل كسب الكاسبين، وينتشل متاع غيره، وقد بينا لك أن دروسكم الدنيوية، وحياتكم الإنسانية، لا فضل فيها إلا للحرية، وهي لكم أعلى مزية.

ثم قال: أيحمد السفر عندكم أم يذم؟ وهل أمر به علماء التربية؟ قلت: إنه حسن مرغوب فيه، وأما قول علماء التربية فإني لا أذكره في هذا الشأن. فقال: تذكر. فقلت: آه نعم، قرأت في كتاب إميل القرن التاسع عشر أن السياحات والسفر من أعلى مقامات التربية الجسمية والعقلية، فإنه داعية للحرية، فإن الرجل الذي لا يرى الأمم القاصية، ولا يعرف أحوالها، ونظاماتها القائمة، يظل خائفا جزعا، وجبانا هلعا، فلا يألف إلا وطنه وكان أشبه بالشاة والشجرة، فيحق عليه ظلم الظالمين، ويطغى عليه كل جبار عنيد.

أين الإنسان · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٥٤