تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال: فائتني بغير هذا إن كنت من الصادقين. فقلت: إن طبيعتنا لا تتجاوز الناموس الأرضي، وكله إهلاك وتدمير، والأقوى يأكل الأضعف، فإذا سرنا على سننا المعهود فلا جناح علينا، ولا إثم، ولا تثريب، ألا ترى أن العصافير والقنابر والخطاطيف وغيرها تأكل الجراد والنحل والذباب والبق وما شاكله، ثم إن البواشق والشواهين وما شاكلها تصطاد العصافير والقنابر وتأكلها، ثم إن البزاة والصقور والعقبان تصطادها وتأكلها، ثم إذا ماتت أكلها صغارها من النمل والذباب والديدان، وهكذا سيرتنا، فإننا نأكل لحم الجدي والحملان والغنم والبقر والطير وغيرها، ثم إذا متنا أكلنا الدود في قبورنا والنمل والذباب وغيره، فيأكل صغار الحيوان كبارها، ويأكل كبارها صغارها، فعالمنا الذي عشنا فيه مسوق بطبعه إلى التغلب والافتراس، وأن يأكل بعضه بعضا، ويرجع آخره إلى أوله، وأوله إلى آخره.

عند ذلك رأيت حملة الأقلام والكتاب ومكاتبي الجرائد جميعا ينظرون إلي شزرا، وقامت ضجة بالمكان وتكلموا بلغة أجهلها، فسألت صديقي أن يترجمه فأحجم وقال: إنهم لا يعجبهم هذا القول، وقد عدوه رأيا ضعيفا، أساسه الوهم، وعماده الخيال، وسقفه الجشع والطمع وجهل الحكمة. فقال: أظن هذه أكبر حججكم، وأقوى أدلتكم، ولذلك كررتها وأعدتها، فافهمها حتى تعلم حقيقتها، ولا تحتج بها مرة أخرى.

إن ما ذكرته من أكل العصفور الجراد، وأكل الباشق العصفور، وأكل العقاب الباشق، ثم أكل الدود والنمل الباشق، وأكل العصفور الدود إنما ذلك تكوين لدائرة من دوائر وجودكم، فإنك تراه هكذا، دود عصفور باشق عقاب دود، وهكذا يرجع آخرها لأولها، وأولها لآخرها. إن هذا نظام طبيعي، وحكمة عجيبة، وجمال في النظام، كما دارت السنة فصارت ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء، وكما تخلقون من ضعف، ثم يكون بعد ضعفكم قوة، ثم يكون بعد قوتكم ضعف، فترجع آخرتكم إلى أولاكم، وكما يتكون النبات من العناصر ويزهر ويثمر، ويعود مفرقا إليها ثانيا، وكما يغتذي النبات بالعناصر، والحيوان بالنبات، والإنسان بالحيوان، ويرجع الحيوان إلى التراب كرة أخرى، وهكذا رأى فلاسفة الأمة الإسلامية.

ولقد استنتج أبيقور اليوناني، وتبعه داروين الإنجليزي أن الأضعف طعمة للأشرف الأكمل، وقاسوا نظام الإنسان على هذا الحيوان، ووضعوا الأمم الضعيفة والصغيرة في مرتبة الدودة، والأمم القوية في مرتبة العصفورة، والتي هي أشد قوة في مرتبة الباشق، ثم في مرتبة الصقور، ونظما على ذلك نظريتهما، فرجعا بالإنسان إلى مرتبة دنيئة، تأباها الفطرة، ويدحضها العقل.

ألا إنكم يا بني آدم نوع واحد لا أنواع، ولكم ناموس وقانون خاص لا تتعدونه، فأنتم كجسم واحد ونفس واحدة، ألا ترى أن شاعر الشرقيين يحبه الغربيون، وعالم الغربيين يحبه الشرقيون، فهل وصل الحيوان هذه المزية من العطف والحب في نوع واحد فضلا عن الأنواع؟ وهل يظن أن نمل الشرق يعلم ما تكنه صدور نمل الغرب؟ أفليس جنسكم أشد عطفا وأغزر حبا ؟ أليس البخار والكهرباء والتلغراف الذي لا سلك له الساري بريده بالأثير أول سلم من التعارف والمحبة؟ أيعقل مثل ذلك الحيوان كالنمل والنحل؟ أفليس الشرقي أضحى يكلم الغربي وكل في داره؟ وسيأتي يوم يسمع الغربي غناء الشرقي، والشرقي غناء الغربي في وقت واحد، فهل تريد برهانا بعد هذا على أنكم أشد قربا، وأكثر عطفا، بفطركم بعضكم لبعض من نوع واحد من الحيوان، فضلا عن الأصناف، فإذا رأيت الحمامة تحب الحمامة، وإن اختلف المكان وتغاير اللون، وهما لا تستطيعان فهما كما تفهمون، ولا عقلا كما تعقلون، أفلستم أنتم أحق بالاقتراب، وأولى بالتحاب، ولا يعوقكم دين ولا لغة ولا وطن؟

أولا تعلمون أنكم كجسم واحد، وكل امرئ منكم كشريان، وكل أمة كعضو من أعضائه؟ فكما أن العين لو نطقت لقالت: إني أحب الرجل، والرجل لو نطقت لقالت: إني أحرص على حياة العين، وكلاهما تقول: إنا خادمان للمعدة والفم واللسان، والحلقوم والكبد والقلب والأمعاء الدقاق والغلاظ، لو نطقت كل واحدة لقالت: إنا خادمات طائعات محبات لمجموع الجسم، وما منا إلا له مقام معلوم، فهكذا فلتكن أممكم وأفرادكم، ولتعلموهم في مدارسكم الحب.

أين الإنسان · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٤٤