فقلت: وكيف يكون ذلك؟ فقال: سنريكه في مدارسنا الابتدائية، فأما أكل الحيوان بعضه بعضا كما ترى في الدائرة الفائتة التي لم يفلت منها إنسان فذلك نظام طبيعي، ولو أن السباع حرم عليها أن تأكل لحوم آكلات الحشائش، وطرد الدود، فلم يتعاط لحم الإنسان والحيوان في ذلك النظام الجثماني لباد الإنسان والحيوان في يوم أو بعض يوم، لما يداخله من الميكروب العائش في المواد العفنة الجسمية. فأكل تلك الرمم الميتة رحمة ونعمة عليكم، وتلك السباع والديدان جاءت مطهرات، كأنها أطباء أرضكم، بل هي أفضل من الأطباء عملا، وأعظم نفعا.
ألا ترى أن الديدان والذباب والبق والخنافس تقل في دكان البزاز والحداد والنجار، وتكثر في دكان القصاب والسمان واللبان والدباس، أو في السماد والسرقين، فإذا امتصت تلك العفونات واغتذت بها صفا الجو، وطاب الهواء، وسلم من الوباء، ثم تكون تلك الحيوانات أغذية لما هو أكبر منها.
وهكذا تقاس حياة التنين في البحر والسباع والكواسج والتماسيح؛ فسباع البر وتمساح البحر، وعقاب الجو، كل تلك مصلحة الجو والأرض والبحر بما تأكل من الرمم الخامدة، والجثث الهامدة، فأما افتراسها للأحياء مما هو أضعف منها بطشا وأقلها حيلة فذلك ضر قليل محتمل في جانب المنافع الكثيرة، والفوائد الغزيرة.
على أن آكلات الحشائش كثيرة الذرية تملأ الآفاق، وما يؤكل حيا منها قليل جدا، ويعتبر ذلك تقليلا لازدحامها في الصحاري والقفار. فقلت: إن الذئاب تأكل الذئب المريض إذا أيست من حياته، وعلمت بدنو مماته، فما منع الأمة القوية من الأمم البشرية أن تسطو على الضعيفة فتبتلعها، وتدير شأنها إذا أيست من صلاحها كما فعلت الذئاب في أخيهن المريض، وما منع الإنسان القوي أن يقتل الضعيف ليريحه من ألم الحياة، كما فعل الذؤبان؟ فقال: وهلا انتهجتم سبيلا أشرف، ونهجتم نهج النمل في عملها، فإنها إذا مرضت إحداهن أخذن يداوينها بالعقاقير ويعالجنها بما تصل يد استطاعتهن، ويغذينها أحسن الغذاء.
أفتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتستنزلون من ذروة الفضيلة إلى وهدة الرذيلة، وكيف تقلدون الذئاب الظالمة وتدعون النمل الرحيمة، على أنكم أفضل من الحيوانين، وأعلى من النوعين، فلتكونوا أكثر منهما عطفا، وأرق لطفا، وأعلى كعبا، وأجل وأبقى.
فقلت له: إن بقاء الأنفع والأصلح في الدنيا قضية اتفق عليها الشرقي والغربي. قال: فهل الأنفع والأصلح أن تقتل الأمة الكبيرة الصغيرة، ويلتهم القوي الضعيف؟ أهكذا فهم حكماؤكم؟ قلت: نعم. قال: كلا، الأنفع للوجود الإنساني أن تخص كل أمة وطائفة وفرد بما خلق له، ويسير على ما تقتضيه فطرته بإرشاد العقل والحكمة والفضيلة، كما ترى أعضاء الجسد الواحد، وهل ترى افتراس الأسد للإنسان أنفع للوجود، وإهلاك الميكروب القاتل للإنسان خيرا وأبقى من إبقائه حيا؟
أنتم ذوو قوى ثلاث، شهوة غذائية كالنبات، وقوة غضبية كالآساد، وقوة عقلية، وهي كمال الإنسانية، وكل قوة أشرف مما قبلها، وأحط مما بعدها، فإذا سلطتم قوة العقل على القوتين، وجعلتم إنسانكم سائرا على سنته، وأخضعتم الشهوات والجشع والطمع والغضب وما نتج عنها من الحديد والبارود، والقتال والجنود، فإنكم تكونون قوما فاضلين، وتكون أرضكم كلها فاضلة، فأما أنتم اليوم فإنكم آساد متكبرون، وجهال متكلفون.
هب أن الفضيلة في الإبادة، وأن الأقوى من الإنسان أولى بالوجود من سواه، فما بالكم تصطفون أقوى الرجال للهلاك، من الجنود المدربين، والقواد الماهرين؟ لقد أخطأتم والله المرمى، وكيف تقتلون القواد، وتعزلون الأمراء، من الأمم التي تقاتلونها، وتخلفونهم على أممهم؟ فهلا عشتم بسلام، وراقبتم الحكمة الناموسية، فإنها سترسل على الأرض جنودها، وتستهلك بالوباء والأمراض ما لا يصلح للوجود، فأما أنتم فإن نظامكم قضى بقتل الأقوياء في القتال، وبقاء الضعفاء مع ربات الحجال، فما أجهل الإنسان! ألم تروا الحيوان! أما قرأتم صحيفة الأكوان!