تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولا تخجلون أن تروا النعجتين تلعبان وترتعان وتأكلان، إحداهما بيضاء والأخرى سوداء ولم يعقهما لونهما عن أن تأتلفا، بل إنهما نظرتا لجوهرهما لا لعوارضهما، أولا ترون البقرة السوداء والحمراء ترتعان في روض واحد، أولا تشاهدون الحمام الأسود والأبيض وهو يطير بلا عداء ولا نفور.

قتل الإنسان اليوم ما أكفره! كيف تحجزكم الأوطان أن تتقاربوا وقد أحس أهل الشرق بما أصاب أهل الغرب من الزلزال في إيطاليا، فرحمهم الصديق والعدو، والبعيد والقريب، ولم يصدهم حاجز الدين ولا اللغات، ولا الأوطان، ألا فلتقرءوا فطرتكم، ولتفهموا عقولكم، وكيف تحجزكم اللغات وأنتم ترون الطيور لكل طائفة لغتها في مشارق الأرض ومغاربها، ولكم أنتم لغة واحدة؛ لغة التصوير التي عمت مدارسكم في سائر ممالك الأرض.

ولقد كان التعبير عن صور المحسوسات والمعقولات أول لغاتكم، فلما أن تفننتم في مآكلكم، ومشاربكم ومعارفكم اصطلح كل فريق على مقاطع وضعها للتعبير عن تلك الصور المشاهدة، فتصورتم الحروف الهجائية الدالة على الصور دلالة اصطلاحية على المعاني، فهل الاختلاف في التعبير يدعو للبغض والنفور.

المعاني هي المحسوسات والمعقولات، وأنتم مستعدون جميعا لفهمها، فهل اختلاف لباسها، والعبارة عنها باللغات ينسيكم فطرتكم، ويجعلكم فرقا، وهل تكره ابنك وأخاك إذا ما لبسا غير لباسك أو تزييا بخلاف أزيائك، إن هذا إلا ضلال مبين، إنكم ما أدركتم سر دياناتكم، إن أفاضلكم وأشرافكم، وهم الأنبياء رأوا أن كل فريق منكم يسكن أرضا معلومة يتحدون على غيرهم، ويجعلون المكان عصبية، والقرابة سلاحا، ويتخذون المصاهرة والوطنية سلاحا يحاربون بهما من عداهم، فقام أنبياؤكم ينذرونكم سوء المنقلب، وقالوا: لا تعبدوا إلا الله وأحبوا سائر البشر، فأنتم إخوان لا يحجزكم عن الأخوة مكان، ولا تصدكم قرابة، فاتخذتم تلك الديانات والعقائد أسلحة تحاربون بها من خالفكم في عقيدة أو دين.

ولقد جعل الله عز وجل مصاهرة الأباعد ليتحد الناس، وليعلموا أنهم كبني رجل واحد، وامرأة واحدة، وحرم عليكم أخواتكم وبناتكم وكثيرا من محارمكم؛ لأنكم تحبونهم ويحبونكم بالقرابة، وحلل لكم أن تتزوجوا من الأباعد لتتواصلوا ويتكاثر الأحباب، فالقريب لقرابته والبعيد لمصاهرته، فلما أن فعلتم ذلك جعلتموها سلاحا تشهرونه على من عاداكم، كما اتخذتم اختلاف اللغات والديانات والأماكن، وذلك لما طبع على قلوبكم من الطمع والجشع، وسوء الملكة وتربيتكم في مدارسكم ومنازلكم، وأنتم في عذاب الخزي تعيشون.

الفصل السادس عشر

| إيضاح مسألة الأقوى والأضعف وإننا نفعل فعل الحيوان

فلما أن سمعت منه ذلك امتعضت أشد الامتعاض، وقلت: والله لأدافعن، وأقاومن، ولا أدعه يعيرني بجنسي وإخواني، لقد سبنا سبا فاحشا، وسوف ينشر في مجلاتهم وجرائدهم، وأكون أنا سببا في سب هذا النوع الإنساني، واسوءتاه! ويا للعار! ويا للشنار! فقلت: كيف تقول إن الحيوان أرقى منا، ونحن نقرأ الحكمة، ونعرف الفضيلة، ونحكم بالعقل، ونقول الصدق، وفينا أشرف الحكماء، وأفاضل العلماء، والصالحون، والأدباء، والشعراء؟

فقال وهو يتبسم: انظر، فرفعت رأسي، إذا مقمعة من حديد مكسوة حريرا أبيض. فقلت: ما هذا؟ فقال: هذه آدابكم، وأخلاقكم وحسن معاشرتكم، إنكم ظالمون، لكنكم تدهنون، إذ يضرب بعضكم بعضا بمقامع من حديد بمكر وخداع، وكذب وزور، فتناولونهم المر مغلفا بالحلاوة، ويشربون العلقم في صورة العسل، وتسطو الأمة القوية على الضعيفة فتظلمها، وتسومها سوء العذاب، وهي تتظاهر لها بالمحبة والإخلاص، ففعلها مثال المقمعة، وقولها مثال الحرير الكاسي لها، وباطنكم الظلم وظاهركم العدل.

فما أسوأ أخلاقكم، ألا إن الآساد لأشرف منكم، فإن ظاهرها باطنها، وباطنها ظاهرها، دأبها الصدق، ودأبكم النفاق، فأخلاقكم فاسدة دنيئة ثعلبية، فليتكم لم تكونوا، وما أقبح سياستكم، وأشنع ظلمكم، إن الإنسان لظلوم كفار.

أين الإنسان · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٤٣