أين الإنسان؟ إن أقوال علمائكم دلتني على خيبة الأمل فيكم، لا عقول، أين العقول؟ لقد وضح الحق واستبان السبيل، إنكم آساد من أقبح الآساد، فإذا كانت نتائج العقل البهيمية والسبعية فإنكم أنعام وآساد، فلا تتعالوا على الحيوان، وقولوا: نحن حيوان معنى إنسان حسا، ألا لا خير في الجسوم، ولا مدار على الصور، إنما الأمر كل الأمر في الأرواح والأعمال والآراء، هنالك طفقت أدافع عن الإنسان بالقضايا المعروفة. فقلت: أليس الأقوى له حق الأشراف على الأضعف، أليس في النمل سادة وعبيد، أليس النبات الأقوى يبيد الأضعف إذا اجتمعا، إن هذه قضايا بحثها علماؤنا، وليست تقبل النقض ولا التأويل. فقال: كم من قوي وضعيف جمعتهما السنن الطبيعية، وأقامتهما النواميس الكونية، ألم تر أن الفيل والنمل تعيش في مكان واحد فوق الشجرة وتحتها وفي ثنايا الأرض. فقلت: إن ذلك بحواجز طبيعية. فقال: وما منعكم أن تجنحوا إلى حواجز بعقولكم وأسوار تحد عاديات بعضكم عن بعض، ولئن رأيتم الباشق أكل العصفور، وأكل العصفور الدود، وأكل الدود جسم الإنسان، وأكل الإنسان العصفور، ثم شاهدتم الأسد يسطو على الغزال والأرنب فيأكلهما، فليس معنى ذلك أن يقتل الإنسان الإنسان أو يقهره بلا حق، وإنما هو نظام واجب، فإن آكلات اللحوم من الطيور والوحوش حكم عليها أن لا تأكل إلا اللحوم، فوظيفتها في العالم الحيواني وظيفة الأطباء في العالم الإنساني.
إن الوحوش الكاسرة والطيور الجارحة تصد عنكم هجمات الميكروبات الضارة بالوباء العام الناجم من جثث الحيوانات الميتة، فلولاها لخلت الأرض من ساكنيها وأصبحت الدار تنعي بانيها، فأما اتخاذ النمل لها عبيدا فما أشبهه إلا باتخاذكم العجول والبقر من جنس الحيوان، فإنها تربيها على نبات وتمتص منها عصاراتها، فأما إذا حاربت نملا مثلها فليس ذلك فضيلة تؤخذ عنها، ولا حكمة تقلد فيها.
ولو أنكم يا معشر الإنسان قلدتم الحيوان في سائر أعماله لوجب عليكم أن تأكلوا الحشائش والحبوب ولا تخبزون ولا تطحنون.
إن شأنكم أن تأتوا بحجة على دعواكم واهية داحضة لتستروا بها عوراتكم وتواروا بها سوآتكم، من أين أتيتم بهذه القضية الفارغة يا بني الإنسان؟ فهل استعبادكم الأمم وقتلكم الأنفس وتيتيمكم الأطفال إزاحة للوباء، كما فعلت كواسر الطير وسباع البر، قضيتكم في الطبيعة غريبة، ما أكثر أوهامكم، وأقل علومكم، وأجهل عقلائكم!
يا معشر الإنسان، الحيوان يمشي على رجلين، ويغني بصوته، وأنتم اتخذتم العجلات للسير والسفر في البحر، وغنيتم بالأعواد، واستعنتم على الطرب بما حولكم من الناميات النباتية والحيوانية، فإذا سألناكم قلتم: اخترعنا وعقلنا ونحن أرقى من الحيوان. فإذا عذب بعضكم بعضا، وغشت ظلمات ليل الجشع وجه نهار الرحمة المضيء في قلوبكم، فظلمتم وقتلتم وانقلبتم آسادا ونمورا قلنا: لماذا جهلتم؟ أحسبتم أن هذه قضية طبيعية كما تفعل الوحوش الكواسر؛ السباع والآساد لحكمة مقدرة، وما حكمتكم أنتم يا أيها الإنسان؟ إن قضية القتل والاستعباد بجهلكم أحدثتموها، وبعقلكم المغرور اخترعتموها، أليس لكل حيوان رأس؟ قلت: نعم. قال: فهل رأيت يوما رأس حمار على جسم ثور، أو رأس معز على جسم أسد؟! قلت: كلا. قال: ولو أنه وضع رأس أحدهما مكان الآخر أفلا يكون الخلط والخبط في هيئة الحركات والسكنات والأمور المعاشية؟ قلت: بلى. قال: ألم يكن للغربان حكومة جمهورية؟ قلت: بلى. قال: ولكثير من الطير؟ قلت: بلى. قال: وهل شاهدت النحل، أليس له حكومة منظمة؟ قلت: بلى. قال: فالزنابير؟ قلت: بلى. قال: فالحيتان في البحر؟ قلت: بلى. قال: فكلاب الماء التي تبني قرى على شواطئ الأنهار مركبات من بيوت ذات طبقتين عليا وسفلى؟ قلت: بلى. قال: فهل رأيت أمة من هذه الأمم غادرت أمكنتها، وطغت على أخواتها من جنسها، فظلمته وقتلته أو سخرته ليجلب قوتها؟ قلت: كلا. قال: أرأيت الزنابير، أليست مؤذية لكم شريرة فاسقة فاجرة؟ قلت: بلى. قال: أغادرت أعشاشها وحاربت أخواتها؟ قلت: لم أر ذلك، ولكنها تحارب النحل، وتشرب عسله. قال: إنه من غير جنسها.