تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت: لقد قرأت في كتاب داروين أن الأقوى يبيد الأضعف من الجنس الواحد كالخطاطيف. قال: لئن صح هذا فليس حجة لكم؛ فليس الخطاف في حاجة إلى الخطاف، وأنت تعلم أنكم مضطرون إلى الاجتماع والاتحاد في مشارق الأرض ومغاربها، وإبادة أمة أو رجل أو امرأة يحدث نقصا في مجموعكم الإنساني. قال: ألست تشعر بألم لما يصيب الأمم النائية عنك؟ قلت: بلى. قال: ألست تشعر بما يصنعه صانع أجنبي عن بلادك ودينك ولغتك؟ قلت: بلى. قال: ألست تسر لما تسمع من شجاعة الشجاع، وعفة العفيف، وفضيلة الفاضل، وعلم العليم؟ قلت: بلى. قال: ألست تنقبض لجهل الجاهل، وجبن الجبان، وفجور الفاسق، ورذيلة الناقص من أي أمة وبلدة؟ قلت: بلى. قال: إذن يلحقك من نوع الإنسان الفرح والترح والسعادة والشقاء والمنفعة والضر؟ قلت: نعم. قال: ذلك ليس في الحيوان، فلئن أباد الحيوان الحيوان فأنتم في حال أشرف من حاله، واجعل قلبك ميزان سياستكم، وشعورك مقياس عدلكم.

قلت: إذن تريد أن يكون الناس أمة واحدة، فتجمع بين القلوب والأجسام والأرواح، وقد اختلفت لغاتنا ودياناتنا وعقائدنا وممالكنا، وقد كتب علينا أن نكون في حرب ونضال أمد الدهر معذبون؟ قال: أليس الحرب للقوت والمسكن والملبس، فهل غير ذلك؟ قلت: لا. قال: إنكم تحاربون لتساووا أخس الحيوان من الدود والميكروب؛ فإنها تأكل وتعيش. ما لهذا خلقتم، وإنكم عن طريق الحق عدلتم، إنكم بهذا الحرب والضرب والعداء تعلنون الكسل والجهل، أما الكسل فإن امرأ عمل عملا فسطا عليه آخر فانتهبه فهو الكسول، تعلمون أبناءكم أن يكونوا عالة على غيرهم، تهدمون صروح الصناعات في الأمم المغلوبة، وتنيمون الغالب على فراش وثير.

وإني لأضرب لك مثلا، هذه الممالك المتمدينة الأمريكية، أليست مركبة من ممالك كثيرة؟ قلت: بلى. قال: فالمملكة من إيالات؟ قلت: بلى. قال: فالإيالة من قرى؟ قلت: بلى. قال: فالقرى من بيوت؟ قلت: بلى. قال: أليس سكان البراري والقفار يعيشون قبائل قبائل، وكل واحدة ترى سعدها في أن تهضم حق جارتها، وتهلك حرثها ونسلها، ويقول شاعرهم ويغني مفتخرهم بما يقول عمرو بن كلثوم:

ونشرب إن وردنا الماء صفوا

ويشرب غيرنا كدرا وطينا

إذا بلغ الفطام لنا صبي

تخر له الجبابر ساجدينا

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

قلت: بلى. قال: فلو جعلنا الممالك المتحدة قبائل كالتي في البادية لبلغت ألف قبيلة أو يزيدون. قال: أوليسوا الآن أسعد حالا، وأنعم بالا، لو كانوا أشذاذا متفرقين، يقتل بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، ومأواهم العذاب وما لهم من ناصرين؟ قلت: بلى. قال: أفلا يفخر اليوم كل رجل منهم بأنه أمريكي؟ قلت: بلى. قال: أفلا تعد الأمم اليوم قبائل متوحشة، كل قبيلة تنازع جارتها، وتناوئ قرينتها، وإنها لو تضامت لأصبحت ممالك متحدة وأسرة واحدة، يعلم عالمها جاهلها، ويرحم قويها ضعيفها، فتكون سعادتهم أوفر، وخيرهم أكثر، وعزهم أوسع، وهم جميعا على سرر متقابلين.

الطبيعة وأسرارها محجوبة عنكم، ولن تنالوها إلا باتحادكم على استخراجها وتمالئكم على إظهارها، ومقامكم في العالم مقام رفيع، ولكنكم جهلتم أنفسكم، وتربصتم للشر، وارتبتم في الخير، وغرتكم الأماني، حتى صرتم في الأرض صاغرين. قلت: ليس الإنسان معذبا للإنسان، إنما هو معلم له ومرشد وهاد، والأمم الراقية ترشد المقهورة. فقال: قد أجبتنا من قبل بما أفاد أنكم ظالمون طاغون، ولقد غلبت عليك صفة أممكم الأرضية، فأجبت بالإجابة اللفظية، وحققت أن لكم قولا يخالف العمل، وظاهرا يخالف الباطن، تقولون كما أخبرتنا ولا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، ولقد مزجتم صفات الآساد بأخلاق الذئاب، ووضعتم القوة العالية في مصاف الحيوان.

أين الإنسان · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٤٠