تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت ذلك وهو يتبسم ويقول: أنا أسألك عن الإنسانية وأنت تشرح لي الحيوانية؛ إن الزرع والحصد والثوب يشارككم فيها الحيوان، فهو يأكل ويلبس ويعيش، وقصارى الأمر أنكم محتاجون لما نقصكم، ساعون لتلحقوا الحيوان، فهو سهل الغذاء، حاضر الملابس، وأنتم بتلكم الآلات والعدد الحديدية والعلوم تريدون إدراك شأوه، فأنتم للحيوانية ساعون مضطرون، وعلى الحياة مجبورون. ولكني سألتك عن الإنسانية، وما سرعة النقل والبريد وقرب التخاطب إلا لتملئوا بطونكم وتكسوا جلودكم، وتعولوا نساءكم وأبناءكم، فأنتم بهذا تسارعون في الحيوانية لا الإنسانية، وما سرعة الخطا ورغد العيش، وكثرة الألوان على المائدة، ولا الذهب والفضة، ولا الخيل المسومة، ولا الأنعام ولا الحرث ولا النسل إلا حطام الطعام، تشارككم فيها الأنعام أكالة الحشيش، كالنعجة والخروف والعنز والتيس والبقرة والجاموسة، ولو كانت سرعة السير إنسانية لكانت الأرانب أعظم منكم، وما سرعة البرق والبريد إلا صوت امتد في الفضاء، كما زاد صوت الجمل على النملة، فلم يوجب له فخارا ولم يدفع عنه عارا، وما الآلات البخارية للإنسان إلا أرجل جديدة يجري عليها، فقصارى أمركم أنكم زدتم حيوانية وبعدتم عن الإنسانية، فإذا كان معنى الإنسانية هي الحيوانية العظيمة، فالفيل إنسان بالنسبة للعنز وهذا لا يقول به العاقلون.

ثم أراني خريطة فيها صورة جيوش حرب السبعين، وحرب الروس مع الترك واليابان وغير ذلك، وقال: كيف قطعتم هذه الرءوس وأزلتم تلك النفوس؟! فقلت: إن لنا مدارس فيها الفنون الحربية، والآلات الدفاعية، وكيفية الكر والفر، والإقبال والإدبار، ولقد وصلنا اليوم إلى أربع درجات في الحرب، السفن الغاطسة المائية، والسفن الجارية فوق البحر، والجيوش المنظمة البرية، والمناطيد الجوية. إن العالم الإنساني اليوم زادت قوته، ووصل إلى أن اكتشف المنطاد ليحارب في الجو.

فعجب الشيخ كل العجب، ثم أشار إلى أحد الواقفين بإشارة فغاب خمس دقائق وجاء ومعه حيوان هائل عظيم الجثة له أرجل يمشي بها، مثبت فيها عجل أسرع من القطار له أجنحة، فمشى أمامي وجرى بالعجلة أسرع من القطار، وطار في الجو بالأجنحة وهو محدب الأنياب والمخالب. فقال: أنتم كهذا الحيوان، إنه يطير ويجري، ويعدو، ويسبح في البحر، ويغطس في الماء، ويأكل، ويعيش، وصوته بعيد المدى يسمعه المشرقان. فقال: إذن لست بإنسان.

حينئذ زويت لي الدنيا كلها، وأصبح لدي الغربي والشرقي وسائر النوع الإنساني في مستوى واحد، فأخذت إذن أفتخر بأعمال العلماء في جميع الملل والنحل، وابتدأت بالأنبياء، وذكرت أعمالهم وعلومهم وهديهم. قال: أنا أعلم بهم منك، ولكن أوصافك لبني جنسك دلتني على أنكم لم تتجاوزوا الحيوانية قيد شبر، ولم تسمعوا كلامهم ولم تعملوا به، ولعلكم اكتفيتم بظواهر الرسوم، وعجزتم عن الصدق والإخلاص وسائر الأعمال الباطنة. فقلت: فينا المخترعون والمكتشفون في سائر الفنون كإسحاق نيوتن في الفلك وداروين في الفلسفة. فقال : هل منهم من أحد حاول انتفاع الإنسان كله؟ قلت: نعم، اسبنسر الإنجليزي وآخرون غائب عني أسماؤهم. فقال: دع عنك ذكر الفلاسفة والحكماء، فليس بحكيم من قصر عقله على أمة.

ألا إنما الحكماء نواب الله عز وجل في أرضه، فإذا رأيت المرء مغرما بسعادة الأمم، دائبا لراحتهم، مكبا على دفع الأذى عنهم فاعلم أنما هو الحكيم النائب عن ربه، ومن عداه من علماء الأمم فإنما هم رجال صناعة كالتجار والزراع والموسيقيين وأحزابهم. فقلت: وعندنا من العلماء العلامة كاميل فلامريون الفرنساوي يجد في اكتشاف طبقات الأرض لنفع الإنسان. قال: عمل شريف ولكنه سعي للحيوانية، هل سعى أحد في تخفيف الحرب؟ قلت: أقوام يقال لهم: الاشتراكيون، وقد قال أديسون الأمريكي: إن الحرب ستبطل بإفلاس الدول، فإنهن إذا أثقلت كواهلهن بالديون، وصفرت جيوب الرعايا من الدراهم، ثارت في وجوه الحكام، وأبطلت الحرب، فأنغض رأسه وقال: كما تتناطح الكباش والأعنز والثيران، فإنها لا تزال في نطاح حتى تضعف إحداها أو يتساقط المتناطحان.

أين الإنسان · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٣٨