وإذن تذكرت إخواني الآدميين، أنى لهم أن يسمعوا وينظروا ويفرحوا ويروا من آيات الله الخافية في نفوسهم، فأخذ بيدي وسرنا حتى انتهينا إلى قصر عظيم يبلغ اتساعه مقدار مساحة ألمانيا، إذا رجال عظام الجثث جالسون على كراسي من الذهب والفضة والزمرد والياقوت والمرجان والجواهر والبلاتين والماس وغيرها مما لا أعلمه في الأرض من كل جميل الصنع بديع الإتقان، والقصر مبني بآجر الجواهر والماس، وقد رصع بالياقوت والمرجان، وهو مزين بالبساتين البهجة البديعة الشائقة العطرة الحالية بالثمر، وهذه الجواهر الموصوفة ليس منها ما يشبه ما عندنا، وإنما دعوتها بهذه الأسماء لضيق نطاق اللغة أن تحيط بما هنالك، وإنما راعيت الأشكال والأمثال وقرب الدال من المدلول، فلما أن دنوت من النادي رأيت قامتي لا تصل ركبة أحدهم، فأعظمت أمرهم، وانزويت في ركن، وخجلت من ضعفي وأنا أشاهدهم.
ولقد عجبت كيف يحيط مرأى بصري بجمعهم المحتشد، وهم على كراسيهم جالسون، مع أنهم مئات الألوف، وكيف يسمعون صوت الخطيب جميعا، فأيقنت أن هواءهم وضياءهم على غير نظامنا مخالفان لما في جونا، فلما رأوني نظروا إلي متعجبين، ورنوا بلحظاتهم لي رامقين، وكأنهم لم يروا في أرضهم حيا على شاكلتي، ولا مخلوقا مثلي في صغر الجثة والأوصاف، فلذلك هم متعجبون، فأخذوا يكلمون صديقي، وأخذ يترجم. فقالوا: من أي الكواكب أنت؟ فقلت: من الأرض. فقالوا: أي حيوان أنت؟ فقلت : الإنسان. فقالوا: صف لنا أحوالكم الاجتماعية. فقلت: إننا أمم منا المتوحشون ومنا المتمدينون الأعلون. فقالوا: صفهم. فقلت: المتوحشون قوم ليسوا في رغد العيش، ولا يحسنون الصنائع ولا الزراعة ولا التجارة ولا السياسة، بل هم في ذلك قليلو البضاعة، وليس عندهم قطار البخار والحديد ولا الكهرباء، ولا يحسنون من السياسة إلا قليلا.
فقالوا: صف لنا المتمدينين. فقلت: هم الذين نظموا مدنهم، وأقاموا العدل بينهم، وترقت صنائعهم وأحوالهم، وأصبحت بلادهم كجسم إنسان واحد فيه شرايين السكك الحديدية وأعصاب الرسائل البريدية، وعمموا التعليم، ونظموا المدارس، وأحكموا فن السياسة، إذ تقوم طائفة منهم بنشر لغتها وتجارتها ونفوذها، ويقولون: ننصر الإنسانية، ونقوم بحق البشر ونعدل في الرعية، ثم يسطون على الأمم الجاهلة فيمنعونها أن تنشر نور العلم بين ربوعها، فيتخذون طريقين متناقضين، وسبيلين مختلفين؛ يقولون: نحن نريد نفعكم، ولكنهم يخفون ما في أنفسهم، إذ يريدون أن يتخذوهم مسخرين مذللين لهم، كما يذللون الأنعام، وقليل من الأمم من صدقت نيته، ووضحت حجته، وبانت طريقته.
إذ ذاك رأيتهم جميعا مبهوتين، وظهرت على وجوههم سيماء الإنكار، ثم قالوا: أفليس لأولئك المقهورين قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، أو عيون يبصرون بها، كأولئك الغالبين الكاذبين الحيوانيين؟ قلت: نعم، ولكنهم يسطون عليهم بالسلاح والحديد والبارود والمدافع فيميتونهم. فقالوا: أرنا أظافرك، فأريتهموها. فقالوا: يا هذا، إن عقلك منع ظفرك أن يطول. فما فهمت قولهم، ولا عرفت رمزهم. فقالوا: أتعرف السباع والنمور والضباع والآساد؟ قلت: نعم. قالوا: هذه لها مخالب وأظفار وأنياب تنشبها في فريستها وتنفذها في قنيصتها؟ قلت: نعم. قالوا: فأما أنتم فقد قصرت أظافركم، وطالت عقولكم؟ فقلت: نعم، وبهذه العقول صنعنا الأسلحة، وصرنا أشد بأسا من الحيوان، وأقوى فتكا من السباع، فإذا كان لها ظفر طبيعي، فإن لنا أظفارا صناعية أقوى منها أضعافا مضاعفة.
فعند ذلك تبسموا ضاحكين، وسخروا مني هازئين، وقالوا: يا هذا أنت تقول أنك إنسان؟ قلت: نعم. قالوا: فكيف انقلبت أسدا؟ ألا إنك أشد منه فتكا وأظلم منه نفسا، فهل الإنسانية هي الأسدية؟!
إنا نظن أنكم ما قرأتم الحكمة ولا الفلسفة، ولا تعلمون أن المراتب ثلاث، الشهوة البهيمية، وقد غلبت في آكلات الحشائش والطيور التي لا تأكل اللحوم. والقوة الغضبية، وقد وضحت في الآساد والسباع، والقوة العقلية، وقد ظهرت في أعلى الحيوان وهو الإنسان. وأنت تزعم أنك منهم، ولكنك وصفتهم أسوأ وصف، إنما أنتم أكبر الآساد، ولستم من نوع الإنسان.