تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت: ولم خلق لنا العقل؟ فاستهزءوا بالقول، وقالوا: اسكت أيها الأسد. فقلت: أنا لست من الأمم الظالمة. فقالوا: ألست من الإنسان بزعمك؟ قلت: نعم. قالوا: وما جاز على أحد المثلين جاز على الآخر، فكلكم آساد، وأنتم في الشره والطمع أنداد، ثم أعرضوا عني واستكبروا، وولوا وأدبروا، ولووا عني كشحا، وأخذوا يتشاورون، وأنا من الخزي في عذاب أليم، فشاهدت من آيات العدل وحسن النظام، والصدق في القول ما لا يحلم به أهل الأرض، ولكني كنت واجما كئيبا لما أخجلوني، ولقد فطن لذلك صديقي الوجدان، فلما كانوا في فترتهم أخذ يخاطبهم، قائلا: لا تسفهوا رأي هذا الإنسي، ولتعلموا أن لديهم شرائع وسننا، وأحكاما وحكماء، وعلماء وأنبياء هدوهم إلى الصدق، وأرشدوهم إلى الحق، فانبرى إلي أحدهم سائلا، ما فعلته فلاسفتكم؟ وما الذي به يأمر أنبياؤكم؟ فما أتم كلمته حتى استيقظت، ووعيت ما دار من الحديث فكتبته في مذكرتي.

كان ذلك ولا علم لأحد من الناس بما وعاه قلبي، أعاشر الإخوان، وأمازح الأصدقاء، وأسايرهم، وأكتم ما يهجس بخاطري من هذه المعاني، ثم أخلو بنفسي في اليقظة سائلا: كيف السبيل إلى السلام العام؟ وماذا يساعد عليه؟ لله أولئك الذين يقابلونني ليلا يقصون علي حديث مدنياتهم الزاهرة، ويقولون: إننا نطيق أن نفعل كما فعلوا، فهل من سبيل إلى ذلك؟

الفصل الثالث عشر

| في المذكرات

المذكرة الأولى

بينما أنا سائر يوما بساحة عابدين بالقاهرة إذ لمحت شجرة نخل ذكر، فأخذت أجيل النظر في أحوال الذكران والنسوان، وتأملت تلك القضية في النبات والحيوان، وقلت: إن الناس فيما مضى لم يميزوا بين الذكر والأنثى إلا في الحيوان والإنسان، ولم يدركوا التفرقة بين الصنفين إلا في النخل خاصة، ولقد أصبحوا اليوم يعلمون الذكران والإناث في سائر أنواع النبات، فما من نبات إلا وقد جمع ما بين الذكور والإناث، تارة في نبات واحد كالذرة والقمح، وتارة في مكانين، كالنخل وهذا أمر مشهور معلوم.

أولا ينبغي أن تكون هذه نفسها حل مشكلة العالم الإنساني في اجتماعه، ومبدأ نظامه في حياته، إن تعداد الذكران من النوع يضارع تعداد الإناث في كل صقع وإقليم ودولة في الماضي والحال والاستقبال، أليس هذا عجيبا؟ يا الله علمني، فهمني، أنا حائر، أريد الإصلاح العام في النوع الإنساني، لعل مسألة الذكور والإناث مبدأ حلها، يا الله أنت نظمت الكواكب التي شاهدتها بالبرهان الحسابي الفلكي الجبري أولا، وبالحس والعيان كرة أخرى، أولست أنت المنظم لنا، فلماذا يسود النظام هناك ولا يسود هنا؟ الحكمة واحدة والنظام شامل، ثم بدا لي أن هذه تحل المشكلة الإنسانية الاجتماعية بما يأتي.

إن تعداد الذكران والنسوان وتساويهما مبدأ النظام الاجتماعي، فما شاهدنا أمة من الأمم اقترض رجالها نساء أمة أخرى؛ لفقدهم ولادة الإناث. فهذا دليل على أن الحكمة السارية في العالم دخلت في دور السياسة والاجتماع ونظام المدن، الأمم يعوزها الزراعة والتجارة والإمارة والجند والفلاسفة والموسيقيون، أفلم يخلق في كل أمة وقرية وقبيلة أناس هم أصلح لتلك الأعمال، وإن من شيء إلا له مقدار معلوم، وعدد محتوم وسبيل مرسوم، فترى أولي الألباب يقلون ويكثر الصالحون للصناعات اليدوية، ثم تأملت إلى الذين حسنت أصواتهم إذا هم نادرون، وكذلك الذين هم في جمالهم بارعون.

أذكر أني شاهدت شابا حسن الهيئة جميل البزة، فتوسمت فيه عشق الفنون الجميلة والموسيقى، فطرة في وجهه توسمتها، ومنحة في سيماه أدركتها، فسألته عن ذلك إذا هو بالموسيقى مشغول، وبالفنون الجميلة مغرم، ذو صوت جميل، ولعمرك ما كل الناس حسنت أصواتهم كهذا الشاب، ما أقل ذا الصوت الجميل، هكذا الأذكياء؛ لأن الأمم لا يعوزها إلا قليل من الأذكياء لتدبير شأنها، وتقويم أودها وتنظيم سياستها.

أين الإنسان · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٢٩