يريد بذلك أن تزول حيرتي، وتذهب وحشتي، ويؤانسني. فقلت: أليس النظام واحدا؟ أليس عالم الإنسان تابعا لهذا الجمال البديع؟ فمن أين جاء له الفساد؟ وكيف يقولون ما لا يعلمون، ويبطنون ما لا يظهرون؟ هل يعم النظام والجمال هذه العوالم العالية البديعة، ويذرنا نتخبط، ويقتل بعضنا بعضا، ويطعن بعضنا بعضا، ونحن في الحياة معذبون ظالمون جاهلون، أما أنا فلا أعتد في الحياة إلا بالجمال والنظام والصدق، فأما إذا خالف الظاهر الباطن، والعمل القول، فما أسوأ الحياة! وما أجهل الكاذبين المنافقين!
أين السعادة؟ أين الحياة؟ ما أحقر أخلاق الأمم! ما أضل سياستهم! ما أجهلهم! يا بني آدم تعالوا معي، تأملوا هذه الحكمة، اعجبوا من القسط والعدل. فأجابني الصديق قائلا: إن الله عز وجل نظم هذا العالم وبث فيه خلائق وجعلكم أنتم خلائقه في الأرض، ولقد علمت مما شاهدت الآن أنها ذرة صغيرة من العوالم، بل إن مائة المليون من النجوم التي شاهدتها الليلة وعرفها علماؤكم إنما هي ذرة مما لا يتناهي من العوالم المحيطة بكم، ولا أحد يحيط علما بعددها، وإني قابلت سكان النجمة اليمانية، وسكان القطبية التي لا يصل ضوءها لكم إلا في خمسين سنة، فألفيتهم يعلمون من النجوم أضعافكم بملايين الملايين، وهم يعترفون بأنهم لا يعلمون من العوالم إلا ذرة صغيرة، ويقولون: وما أوتينا من العلم إلا قليلا.
فأرضكم على هذا القياس كرة حقيرة جدا، ليست شيئا مذكورا، وقد جعلتم خلفاء الله على ما عليها من الحيوان؛ لأنكم أنتم الأعلون الراشدون، وما منعكم أن تكونوا صادقين إلا أنكم إلى اليوم لم تكتشفوا عقولكم، ولا تزالون على أخلاق الحيوان.
إن الله وضع نظاما لكم جميلا يضارع نظام السماوات، يشاكل القسط والعدل في هذه العوالم، لا خلل ولا فساد، ولكنكم لا تزالون صبيانا وأطفالا، وإني أخاف إذا شرحت حالكم يشغلك عن النظر في جمال هذا العالم، وإني سائر بك إلى كوكب من الكواكب السائرة حول الشمس كأرضكم، لم يعلمه علماؤكم، ولم يكتشفه علماء فلككم، لنرى نظامهم وحكوماتهم، وسياساتهم، وتسمع دروسهم، وتلقيها على إخوانك الشرقيين والغربيين.
اعلم أن أهل الكواكب الأخرى ينظرون إلى نظامكم نظر الاعتبار، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إذ أنقذنا من الجهل الذي وقع فيه هؤلاء الغافلون، وتراهم يعلمون صبيانهم في مدراسهم العدل بمشاهدة وقائعكم الحربية المصورة في مدارسهم، ويمثلون أحوالكم وأخلاقكم أمامهم ليعلموا ما هم عليه من النعم والحبور، والسعادة والهناء، وينهجون نهج العدل كالنظام السماوي.
فقلت له: إنا نحن أفضل العالمين. فقال: نعم، لكن بفطرتكم وعقولكم التي سيزول عنها الغشاء، ويزاح الغطاء، وتكونون أحسن حالا وأنعم بالا، كل ذلك ونحن نخترق العوالم ونشاهد بدائع الجمال، ومحاسن النجوم، حتى أقبلنا على كوكب بهيج جميل فألقينا به عصى التسيار، ووقف السحاب على سطحه واستقر.
أربعة آلاف أمة صادقة السياسة
فوق سيار جديد وأسئلة سياسية عجيبة ورأي اجتماعي جديد
هنالك نزلنا فوق سطح ذلك السيار الجديد الذي فلكه فوق فلك نبتون، وقد قال لي صاحبي: إن علماءكم لم يكتشفوه للآن، فنظرت إذا أرضه كأنها فضة نقية محلاة بأشجار باهرة بيض، وأخرى خضر وزرق مختلف ألوانها، وصفر وحمر باهرة، وهناك من الأزهار والأشجار ما يبهر الألباب، ولم أر شجرة تشبه أشجارنا، ولا ثمرة تضارع أثمارنا، وكل شجر فيها عطر أريج عجيب بهي، والأنهار تجري بما يشبه الماء وكأن حصباءها الدر والياقوت والمرجان، وكأنما جمالها جبال.
وقد كنت أظن ألا أحد من العقلاء هناك، إذا صديقي يقول: هل لك أن تشاهد «نادي الأمم»، فأدهشني هذا القول، فقلت: وهل هنا أمم؟ فقال: نعم، إن على هذا السيار أربعة آلاف أمة، كل أمة تبلغ مقدار الأمم التي على سطح أرضكم. فقلت: بخ بخ، وكيف يكون لهم مجلس واحد؟ فقال: نعم، إنهم عقلاء راشدون، فلا تتعجب، وسترى، فسرنا وقد هبت الرياح، وتغنت الأشجار، وغردت الأطيار، فكنت في حال أشبه بالسكر لما رأيت وسمعت هناك في أصوات الأطيار من المغاني ما لا أذن سمعت، بل إن حفيف الأشجار له نغمات لا يعادلها على وجه الأرض رنات المثاني.