تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعمرك لقد هالني ذلك المنظر، منظر حركات الأرض الثلاث تدور حول نفسها كهيئة النحلة في لعبة الأطفال، وهي بنفسها وهيئتها مندفعة تجري حول الشمس أسرع من القلة مائة مرة، حركة عظيمة، وهذا المجموع الشمسي مسخر مسكين كأنه أرض تجري حول كوكب مجهول، يجري قدر القلة ثلاثين مرة. أدهشتني الأنوار، وغشت على عقلي عجائب الحركات، نظرت أسفل إذا زحل يحيط به حلقاته الساطعة الجميلة، وهو يجري حول الشمس كأرضنا، وسنته 29 سنة، والمريخ وهو كبير الحجم، عظيم الجرم، أكبر من أرضنا 1200 مرة، ولقد تعجبت من الأقمار الساطعة، البديعة البهية الدائرة حول المريخ، فهناك قمران جميلان طالعان، وعجيب أمرهما، وبهي نورهما، ولما رأيت أقمار المشتري الأربعة زاد تعجبي، وما كنت أظن أن في العالم أقمارا غير قمرنا، ولو جاز ذلك لكان قمر واحد.

فلما أن اطلعت على أقمار زحل ألفيتها ثمانية، فزاد تعجبي، فما أن نظرت أورانوس وأقماره الأربعة شاهدت ما لم يخطر على بالي، رأيت أقماره تدور على شكل عجيب، تدور من الجنوب إلى الشمال، فقمرنا الأرضي يسير حول الأرض في الاتجاه الذي فيه حركتها من المغرب إلى المشرق، فأما أقمار أورانوس فإنها تدور على زاوية قائمة، فإذا جرى في حركته من الغرب إلى الشرق دارت أقماره من الجنوب إلى الشمال، حينئذ أيقنت أن العوالم السماوية منوعة السير، كما تنوعت أشكال الأجسام الحية على سطح الأرض.

العدل والنظام

والأمر الجوهري النظام والعدل، لم أر كوكبا حاد عن خطته ولا شمسا غادرت فلكها، ولم تختل حركة الأرض اليومية ولا السنوية ولا حركة المجموعة الشمسية.

المشتري يجري حول الشمس مرة كل 12 سنة، وزحل يجري مرة كل 29 سنة، والزهرة تتم دورتها في 23 يوما، والأقمار كلها دائرة دورا منظما.

وهنالك قلت: يا الله، إن نظامك جميل، إنك لعدل، ما أجمل الكواكب! ما أبهى النجوم! وما أبدع حركاتها! لا خطأ فيها، مع شدة سرعتها، إن هذا لعدل، إن هذا لهو الميزان، فلماذا رأيت دول الأرض ظالمين؟ أرواحنا تحب هذا الجمال، إني له لمن العاشقين، فأين العدل؟ أين العدل؟ جملت النجوم، وجرت بقسط ونظام وميزان، وجملت أرواحنا ولكنها سارت على غير هدى، يا رب إن ظاهر النجوم يوافق باطنها، ظاهرها الجمال، وباطنها الحركات المنظمة، ونحن في أرضنا كلنا طلق المحيا باسم مرض أخاه، ولكن الأفئدة مملوءة حقدا ودغلا وغشا، إن الإنسان لظلوم كفار، إنه كان ظلوما جهولا، اللهم إني لا أرضى هذا الزور والبهتان، اللهم لا حياة ولا سعادة إلا بالصدق والفضيلة.

ما لي أرى أكابر الأمم وسواسهم يقولون الإنسانية وهم مجمعون على جشعهم، وكأنهم جهال، بعض أهل التدين يترنمون بما لا يعلمون، أو يعلمون بما لا يعملون، هذه بلية الإنسان، افترى عليه رؤساؤه الدينيون، وكذب رؤساؤه السياسيون.

وهنا قارنت ظاهر الإنسانية وباطنها بظاهر النجوم وباطنها، فحرت في ذلك وقلت: لأسأل صديقي الوجدان، عسى أن يشفيني بالجواب، فلما أن طفقت أسأل صديقي ابتدرني قائلا: انظر، انظر، إذا سحابات مكورة مزرقة مبيضة تجول في أنحاء الجو فأقبلت إحداهن إلينا، فامتطيناها، وقلت: باسم الله مجراها ومرساها، فلما استوينا على ظهرها تأملتها، إذا باطنها ناعم أملس لون ماء نهر النيل، حتى حسبته ماء، ثم تبين لي أنه منطاد لطيف ومركب جميل مرصع الحافات بالجواهر، والأحجار الثمينة من الزمرد والمرجان والدر، وما لا يبلغ الواصفون صفته، وهناك أحجار عجيبة بهجة باهرة للناظرين، فسارت بنا تخترق الآفاق. فقال: انظر، إذا نجم نبتون، وهو يجري بسرعة لا نظير لها حول الشمس، ثم أبصرت سيارات كثيرة ونيازك وذوات أذناب لا أحصي عددها، كلها دائرة حول الشمس.

ثم قال: ارفع رأسك وانظر، إذا هناك نجوم تسمى الثوابت لا تجري حول الشمس. فقال لي رفيقي: كم عدد النجوم التي أدركتموها بآلاتكم المقربة «التلسكوب»؟ قلت: إنها مائة مليون. قال: انظر، فنظرت إذا النجمة اليمانية وهي أضوأ من الشمس خمسين مرة وهي أبعد عنا بما يقاس مليون مرة ببعد الشمس، فالمسافة التي بين أرضنا وبين الشمس المقدرة بنحو 90 مليونا من الأميال تتضاعف مليونا مرة في بعد النجمة اليمانية، فزاد تعجبي، ورأيت نجما آخر أضوأ من الشمس 400 مرة وآخر أضوأ منها 1000 مرة، والأعجب من هذا كله نجمة «أكتروس» فهي أضوأ من الشمس 8000 مرة، وتجري في الثانية 355 ميلا، فحينئذ بهرت وغشي على عقلي، وبقيت في سكون تام لا حراك لي مما اعتراني من الدهشة والحيرة، فأيقظني صديقي الوجدان، وقال: سل ما بدا لك الآن.

أين الإنسان · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٢٦