ما أسهل وصولهم إليها سأريهم هذه الأرض الواسعة الخالية من السكان فيعمروها ويقلوا من تناطحهم كما تتناطح الكباش والأعنز، وفرحت بهذه الأرض الجديدة، وقلت: متى يكثر الناس زرع الأشجار لتغرد عليها الطيور فتغتذي بالدود الآكل لشجرة القطن وغيره.
ثم أخذت أسأل صديقي الوجدان وهو أحب إلي من نفسي فلا صديق سواه ولا معين إلا حكمته وعلمه. فقلت: أيها الصديق رعاك الله، قل لي، أنحن الليلة في القمر؟ إن القمر ليس فيه هواء ولا ماء، فمن أين نبتت فيه هذه الأشجار فغردت عليها الأطيار؟ نعم إن في القمر جبالا شامخات وأودية واسعات، ولكنه خال من آيات الحياة وسمات الأحياء، إن القمر له دائرة لا يتعداها ومدار لا يتجاوزه فكيف تنزل من فلكه إلى سفينتنا فركبناه؟
إن ما شاهدته الليلة لا يرضاه العلم ولا تألفه العلوم الرياضية والفلكية. إنا قرأنا العلم والحكمة نحن أهل الأرض وعرفنا الكواكب والشمس والقمر ودرسناها حق دراستها، فلم نجد في القمر أثرا للحياة.
ثم رفعت بصري إذا جمال النجوم باهر واضح ورأيت من الأنوار والعجائب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولقد تجاوزنا مدارات الكواكب السبعة، وشاهدنا النجوم الثوابت بأحجامها.
ما أجهل الإنسان، إنا محجوبون عن رؤيتها في هذه الأرض، فإذا صعدنا مسافات بعيدة نشاهد حركاتها العجيبة المدهشة.
وقفة لمشاهدة الجمال والعجائب بين سيار زحل وسيار أورانوس
هنالك أوقفت مركبتنا بغتة، وقال صديقي الوجدان، سل ما بدا لك الآن، وانظر عجائب الزمان، إنا في جو عجيب بين أنوار تتلألأ وجمال وبهاء، أرى زحل بحلقاته الثلاثة المحيطات به، أرى المريخ وهو محمر اللون يبهر الناظرين، لقد غشاني ما غشى من آيات الجمال والبهاء والنور البديع الساطع، وأنا أحس بجمال في روحي وبهاء في قلبي حتى خيل لي مشاكلة أرواحنا في جمالها لما يحيط بنا في ذلك العالم الجميل من المحاسن والأنوار، ثم أخذت أعيد الأسئلة على رفيقي. فقلت له: أنحن في القمر؟ وكيف تعدى دائرته؟ وكيف ينبت فيه الشجر، ويغرد الطير؟
نحن الآن في عالم الأثير ولا هواء في جونا ولا ماء، فكيف أحيا بلا هواء؟ إن الهواء لينقطع على بعد أقل من ثمانين كيلو مترا من أرضنا، ومتى جاوزناه متنا، فكيف حييت الآن في هذا المكان، وأنا ما بين زحل وأورانوس؟ قلت ذلك وهو يبتسم وينظر نظرة المحب الودود المتعجب من السؤال. فقال: ما أضيق دائرة علمكم يا بني آدم! أما علمت أن لكل مقام مقالا؟ ألم يقل شاعركم:
البس لكل حالة لبوسها؟ ... ... ... ... ...
قلت: نعم. قال: إنكم يا معشر بني آدم تقيسون العوالم بمقاييسكم الناقصة، إن أرضكم صغيرة منبوذة لا وزن لها بالإضافة إلى ما لا يحصى من العوالم السماوية، وقد خلقتم وصورتم من نسيمها وهوائها ومائها وعناصرها التي لم تعلموا منها إلا ما يقارب الثمانين، وهل تحققتم أنه لن يخلق خلق إلا على شرائطكم الأرضية، وعناصركم الكونية، فلا تتعجب من حال صرت إليها، ولا تقسها بحال كنت فيها.
إن لكم يا معاشر الإنسان أحوالا تصيرون إليها، وستعلمون أن الحياة ليست خاصة بأوضاعكم الأرضية، ولا محصورة في أحوالكم الحيوانية، فأنت الآن بين الأجسام والأرواح تسيح في السماء العلا مع السائحين، وتنظر مع الناظرين، فأما المركبة التي أنت عليها فليست قمرا ولا شمسا ولا سيارات ولا ثوابت، وإنما هي مراكب تعرج عليها الأرواح إلى عالم الجمال والبهاء. ثم قال: انظر ما حولك من الجمال قبل مغادرة هذا المكان، فآنست أرضا تجري جريا حثيثا وهي تتلألأ جمالا وحسنا لما يسطع من نور الشمس وبهائها عليها وحجمها عظيم كبير.
الأرض تجري مسرعة في الفضاء كأنها قلة المدفع، إن قلة المدفع تجري عشرة أميال في الدقيقة، والأرض تجري قدرها مائة مرة حول الشمس لتتم حركتها السنوية، وتجري حول نفسها قدر القلة مرة ونصفا، وهي مع الشمس والسيارات يجرين حول كوكب مجهول بسرعة القلة ثلاثين مرة.