تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالتقوى قسمان؛ تقوى الأرواح وهي التي قررها الأنبياء، وتقوى الأجسام وهي التي تتبع النواميس الطبيعية المحدودة.

وأهل الأرض نوعان نوع أحكموا نياتهم وقلوبهم كالبراهمة والبوذيين من أهل المشرق الأقصى، وقوم أصلحوا أجسامهم، واتقوا مصارعها، وساروا على نهج النظامات الطبيعية في الأحوال المادية، ولم يلاحظوا من آداب أرواحهم إلا على مقدار ما لاحظ أهل الشرق الأقصى من أحوال أجسامهم، فاستهزأ الجثمانيون بالروحانيين، وعدوهم من الأنعام، وساموهم سوء العذاب، والطرفان ضالان، ألا إن العدل أن يتوسط الطرفان، ويصير وسطا في الجثمانيات والروحانيات، وإلا قامت قيامتهم وساءت حالهم أجمعين.

الحكمة الخامسة عشرة: الأرواح وتقاطعها وتواصلها

كنت في جماعة من الإخوان، ونحن جالسون في بهو، وهم مجدون في أعمالهم، منصرفون عما عدا أشغالهم. فقلت: إن لكل منهم شأنا يغنيه، ولا يعلم أحد منهم ما في نفس أخيه، ولا يحس بما يحس به، فهم أشتات متفرقون، ثم فكرت من وجه آخر وقلت: أنا أحس بما يؤلمهم، وأجزع لما يدهمهم، إذا أصيب أحدهم بحرق أو غرق أو فقد صديق أو جرح عضو أو خدش عرض، أأنا إذ ذاك لا أشعر بمصيبته ولا أتأثر لنكبته؟ كلا، فالناس جميعا يتراحمون ويتعاطفون ولو كان أحدهم شرقيا والآخر غربيا، ألا إن بين النفوس عطفا ورحمة يبرزها الفرح والترح كما تتقد النار في الأحجار، والكهرباء بالقدح والحركة، فهكذا المحبة العامة والسلام العام سيكونان بقدح زناد الآراء واستخراج شعور النوع الإنساني.

ما أجهل الناس اليوم، وما أجهل الإنسان، كان الإنسان لا يعلم الكهرباء إلا في الكهرمان عند حكه وفركه، فلما أن بحث عنه ألفاه مخزونا في كل معدن وهواء وماء، وهو يرى في قلبه رحمة على عدوه إذا أصابه ضر كما كان يؤانس آثار الكهرباء في الكهرمان عند فركه، وقد اكتشف أن الكهرباء عامة في سائر أنواع المادة، فما باله لا يكشف الستار عن هذه المحبة والعطف العام الذي هو به أولى، بل هو الإنسانية الحقة، بل هو النور الإلهي، والشمس المضيئة.

يا ليت شعري من لي بمن أتلقى هذه الدروس العالية عنه حتى أبلغها لهذا الإنسان، أين عقولنا؟ أين محبتنا؟ أين الجمال؟ أين الفهم؟ أين العشق العام؟ اللهم أنت المعلم، فإذا لم تفض علمك على قلوب عبادك في مشارق الأرض ومغاربها فإنهم في العذاب خالدون.

هذه خمس عشرة مذكرة مما كتبته في مذكرتي في الفترة التي مضت في شهر يونيو وبعض يوليو، وهنا تم الفصل الحادي عشر.

الفصل الثاني عشر

| في الصعود إلى كوكب جديد فوق نبتون

في هذه الفترة تاقت نفسي لحل هذا المشكل السياسي في النوع الإنساني، نظرت في كتب الحكماء والعلماء فلم أجد حلا يشفيني، والأمم يقتل بعضها بعضا ويلعن بعضها بعضا، ورأيت علماء الأمم يضرمون نار العداوة والبغضاء إلا قليلا منهم كالعلامة هربت سبنسر الإنجليزي، والفاضل اللورد أفبري، والعلامة مركس الألماني والسيدة المستشرقة المدام لبيديف «جلنار الروسية» وأحزابهم و... الأمريكي وكنت الألماني، فأولئك وأمثالهم يحبون نوع الإنسان، ومن عداهم سائرون على هوى الفكر العام كأهل السياسة الذين لهم قلبان ظاهر وباطن، فتاقت نفسي لكشف هذه الغمة، وتمنيت لو يتاح لي شهود الصديق وهو الوجدان، حتى كانت ليلة الأحد من شهر يوليو سنة 1910.

فبينما أنا نائم في غرفتي إذ أقبلت تلك الروح البهية في نحو الساعة الثانية بعد نصف الليل، فأيقظني، فرأيته ساطع النور عليه ملابس فضية اللون ووجه كالشمس إشراقا، وقد صار أنضر حسنا وأبهج جمالا وأبهى إشراقا، فقال لي: قم لأريك هذا العالم البديع، وأطوف بك أكناف السماء، وأريك ما لم يقف عليه كثير من الحكماء، فقمت معه ولم أدر وما إخال إني سوف أدري أأنا في يقظة أم في منام، فسرنا في الجو لحظات، إذا نحن على سطح البحر الأحمر تحملنا سفينة، فنظرت إذا مركبة في الهواء تقرب منا رويدا رويدا، حتى إذا كانت منا قاب قوسين طلعنا فوقها وعلت بنا في الجو في لمح البصر وأنا أظنها القمر، فلما أن امتطيتها وهو آخذ بيدي آنست فيها أشجارا، وعليها عصافير تغرد بألحان شجية وهي ذات ألوان بديعة، وكأن أرضها قد رويت قريبا وهي مبتلة، أو كأن المطر قد سقتها، وأقلعت قبل أن تطأها أقدامنا، وما رأيت إنسانا، ولا حيوانا إلا تلك الطيور. فقلت في نفسي: إذا رجعت إلى أهل الأرض بشرتهم بأرض مباركة طيبة.

أين الإنسان · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٢٤