أما بعض علماء أوروبا فإنهم حكموا على الصين واليابان قبل الآن، أنهم لا يرتقون إلا لدرجتهم الحالية «إذ ذاك»، وعللوا ذلك بزوايا الوجوه، وأوضاع الأنوف، وربما جعلوا للألوان أثرا في السياسة، فخاب ظنهم، وضل سعيهم، وكذبهم ما فعلته اليابان مع الروس، وما قام به الصين من العلوم العصرية، وهي الآن آخذة في الارتقاء ساعية جهدها إلى العلاء، وأما سبنسر فإنه لما أحس أن كثيرا من الناس قرم للحم، مغرم بأنواع الطعام، فضل أدنى الخصلتين، وذم النباتيين، وقال: إن أكل اللحم صفة الآساد والنمور، وهي أمتن قوة، وأعظم سلطانا، والأمم التي تأكل اللحم تقهر النباتيين، فكذبه أن قامت اليابان، وكذبته بأوضح برهان، فإنهم بالأرز مغرمون، وعن إكثار اللحم معرضون، وقوى حجة استكثار أنواع الطعام على المائدة، ليسهل هضمها ويعظم نفعها، ولعمرك إن هذا عكس ما قرره الأطباء، وبرهن عليه الحكماء. وإنما قرر ذلك مجاراة للزمان، ومسايرة للشهوات الهائجة، في البلاد الشرقية والغربية.
فالعادة كثيرا ما تضطر حكماءكم إلى أقوال غير صادقة، وتحملهم على قضايا لا يألفها المنطق، ولا تصدقها العقول العالية، والنفوس الشريفة الراقية. هذه قضايا حكمائكم، وآراء فلاسفتكم، يخضعون للعادات، وينقادون للشهوات، ومن منهم إلا حرض قومه على إهلاك غيرهم، وإبادتهم وتسخيرهم، وجعلهم سلما لسعادتهم، كأنهم خلقوا واسطة لغيرهم، وطريقا لحياتهم، وإن هم إلا بشر مثلهم، إلا أنهم هم الظالمون.
فقلت: أوضح لي نظرية سياسات الأمم اليوم إيضاحا شافيا، وأبن لي نظيرها في الموجودات المشاهدة، والمخلوقات الطبيعية الحية، وما برهان نقصها، وما سبب اختيارها وتفضيلها. فقال: لقد شاهد آباؤكم الأقدمون، وحكماؤكم السابقون أنواع النمور والأسود والصقور تعيش عيشة هنيئة، بتمزيق اللحوم، وتهشيم العظام، واقتناص الغزلان، وصغار الحيوان، فعمدوا إلى تقليدها، والسير على منهاجها، وقالوا: ما أهنأ عيش الأسود والنمور والذئاب، إن النمر يعتمد على قوته، والذئب والثعلب على خدعته، فتأكل اللحوم سهلة هينة سائغة للقانصين، وقلدوها في سياستها، وزاحموها في وحشيتها، واستمدوا قوة من سلطتها، فاتخذوا الكراع والسلاح والقنا والسيف، وأكلوا ثمرات غيرهم، واستطابوا عيشة النهب والسلب، وهذه هي القوة السبعية الكامنة في الإنسان، قام بها أسوأ قيام، أخضع لها العقل الملكي، فأخذ يدبر ليكون وحشا كاسرا، وقاهرا فاجرا. فقلت له: أيها السيد، بارك الله فيك، إن هذا ليس ظلما، إن السباع محددة الأنياب، شاكية الأظفار، والشواهين والصقور ملتوية المناقير، قد حكم عليها أن تعيش على لحوم الغزلان والأرانب وأمثالها. فتبسم، ثم قال: وهل هذه براهينكم؟ الأسد لا يأكل الأسد، وإنما يأكل البقر والمعز والضأن، وقد أعدها الخالق الحكيم طعاما للآساد، وما أقل الآساد! وما أكثر الأنعام والضأن والمعز! فأما أنتم يا معشر الإنس، فإنكم تسخرون أبناء جنسكم بلا ضرورة تلجئكم، ولا حاجة تحرجكم، فأنتم مختارون غير مضطرين، والآساد مضطرة. على أن أكل الآساد وسائر السباع لحكمة بالغة، ونظام عجيب؛ ذلك أن تلك الحيوانات إذا بقيت رممها وجللت وجه الأرض تعفن الجو بأنواع الحيوانات الصغيرة المسماة بالميكروب فيعم الوباء، ويكون البلاء بفساد الجو، ففتك السباع حكمة منظمة مدبرة، على أنها لا تبيد هذه الأنواع، فهي باقية أبدا ما دامت الأرض والسماء، فقولكم: إن الأقوى يقهر الأضعف، كلمة حق أردتم بها باطلا، وصدق أردتم به كذبا، ونظام أردتم به خللا، وعلم أردتم به جهلا، إنكم يا معشر الإنسان ظالمون جاهلون.
أخبرني أي أمة من البقر حاربت أختها فأفنتها، ثم سخرت عجولها لأعمالها؟! وأي أسد اتخذ معه آسادا، ونظم جيشا فحارب آسادا أخرى وسخرهم لمعيشته؟! وأي كلاب جمعت جموعها فأرهقت الكلاب، وأيتمت الأجراء، وأرملت الكلبات؟! فقل لي أيها الإنسي، «أين الإنسان؟» فقلت له: إن النمل لتحارب وتأسر وتسخر نملا آخر في أعمالها. فقال: ويحكم يا معشر الإنس! وهل النمل أستاذكم؟ أتحققتم أن النمل الغالبة من جنس المغلوبة؟ ولعل الفرق بين الغالبة والمغلوبة، والبعد ما بين القاهرة والمقهورة في الشكل والإدراك، كما بين الإنسان والقرد، فيكون الغالب من غير نوع المقهور. ولعل هناك حكما لا تدركونها، وأسرارا لا تعلمونها، كالتي فهمتها الآن في نظرية الأسود والغزلان. يا أيها الإنسان، «أين الإنسان؟» ولئن ظننتم أن النمل القاهر والمقهور إخوان، فما بالكم تقلدون الحيوان في الضلال! فكيف تدعون أنكم أعلى مقاما، وأرفع منارا، وأهدى من القطا، وأرقى العالمين! وإذا كنتم تؤيدون نظرياتكم بأعمال الحيوان، وتدعون الصالح، وتصطفون الطالح، فخبرني، رعاك الله، كيف تدعون بأنكم أرقى الحيوان! «أين الإنسان؟» فقلت له: كيف تنكر سيادتنا ورفعتنا، ونحن الألى رفعنا منار العلم، وأقمنا بينات الهدى، وبنينا الدور، وشيدنا القصور؟ فقال: أي دور وأي قصور؟ إن الخطاطيف تبني، والعصفور وسائر الطيور، فحاصل ما تصنعون يشبه ما يفعله سائر الطير في الأشجار، والوحش في الفلا والقفار، ولقد عثر الباحثون عندكم على عنكبوت مائية، اتخذت لها بيتا تحت الماء لتعيش فيه، بحيث يوضع مقلوبا وتملأ قمته بالهواء، وهذه لم يتسن لكم إلى الآن الاهتداء إليها.