تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهل أتاك نبأ كلاب البحر في أستراليا، فإنها تضع حواجز للنهر كذلك الذي تسمونه العرم والنجف، يخزن الماء ليكون حصنا على أبواب بيوتها الغاطسة فيه، ولكل بيت من بيوتها دوران أعلى وأسفل، فالأعلى للجلوس، والأسفل لخزن الطعام، على أنكم برعتم في الأبنية، وإنما ذلك لوقاية الأجسام من العطب والعاديات، وليس ذلك فضيلة فيكم، ولا فخر لكم، فأنتم فيه والحيوان سواء، فبم امتزتم عليه، يا أيها الإنسان.

لعلكم تفخرون بسكة الحديد، ورسائل البرق والبريد، وتسخير الحيوان، وعبور البحار بالسفن الكبار، واتخاذكم الأثير بالبريد البرقي المسمى تلغراف ماركوني، وإنكم أخذتم تصعدون الجو في السفن الهوائية المسماة بالبالون والمنطاد. ولعلكم تفرحون بتشييد الحصون، وتحديد السلاح، وتدريب الجند على الكفاح، وأن الأمم الغالبة تنزع السلاح من المقهورة، وتتخذها خولا وعبيدا، وترفع منها العلم، وتذيع الجهل، ليكون الأولون آسادا، والآخرون غزلانا وأرانب وخرفانا، فقل أين الإنسان؟ أوهذه عقولكم؟ أنا ما سمعت في كوكب من الكواكب السماوية التي سحت فيها سكانا شرا منكم، فأين الإنسان؟ أين الإنسان؟ أتدري كل ما به تفخرون وما أنتم عليه عاكفون، ذلك كله أعمال حيوانية، بل ألعاب صبيانية؛ فما سكة الحديد والقطار، إلا أنكم أوتيتم أرجلا سريعة أسرع من كل حيوان، وأن فرق ما بينكم في سرعة النقل وبين الإبل السريعة العدو لأقل مما بين عدو الأرانب والنمل؛ فأسرع قطار ليس أسرع من جري الجمال البختية مرتين. والأرنب أسرع من النمل آلافا مؤلفة. فقل لي: هل سرعة السير فضيلة جديدة؟ إذن كانت الأرانب إنسانا. بل إنكم قبل ركوب القطار منذ ثلاثمائة عام مثلا كنتم أبطأ من أكثر الحيوان جريا، فالأسود والنمور والبقر والغنم كانت أسرع منكم، فإذن هي الأرقى والأعز الأعلى، وأنتم تدعون الفضل عليها بالعقل لا بالسرعة والبطء، فلا ينبغي لكم اليوم أن تتبجحوا بقولكم القطار والبخار. ولئن سلكتم هذا السبيل، وسرنا معكم فيما تدعون، وقلنا: أنتم فضلتم الحيوان في هذه. فأي فضل لكم في شيء ليس يجلب إلا الطعام والشراب؟! فأنتم لا ترحلون ولا تحلون إلا لمواد حياتكم من الطعام والزراعة والتجارة والسياسة، وكلها لغذاء الأجسام وكسوة الجلود ودفع الأعداء، فلم تفضلوا بها الحيوان شيئا مذكورا، وما قلناه في القطار نذكره في البريد والرسائل البرقية، وإن هي إلا رسائل لمادة الحياة كما تعيش سائر الحيوان.

لندع التطويل ونرجئ إتمام البحث إلى مقال السيد جامون، فأنتم يا معشر الإنس اتخذتم الظلم عادة وفخرتم على سواكم جهلا وزورا، وقلدتم أسوأ الحيوان حالا، وأقله فضيلة، وإني ما رأيت شرا منكم في تدمير جنسه، وتسخير قومه وخدعه في قوله ونفاقه في عمله. فدعوا الدعوى والعظمة، واعلموا إنكم غير ما تظنون. فقلت له: ما لك رفعت ووضعت، ومدحت وذممت، قد أثبت أن نفوسنا تشابه الهواء في قبوله للرقي وحسن الصنعة، وتضارع المادة في تشكلها وترقيها، وها أنت تسومنا السوء وتضعنا في أسفل سافلين؟ فقال: نعم، يقول الله:

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين

فعقولكم قابلة للسعادة، وأنتم حكمتم عليها بالذل والحرمان والهوان، إذ اتخذ قدماؤكم نظام حياتهم على قاعدة أن الإنسان أنواع، فقوم نصبوا أنفسهم للسيادة واتخذوا غيرهم عبيدا، فالأولون سباع والآخرون غزلان، ثم وجه الطرفان تعاليمهما على هذا المنوال، وتوارثوها جيلا عن جيل، ثم تحدث أمور تختلف فيها الوجهة ويقهر المغلوبون ويذل الغالبون.

الفصل السابع

| لم نقرأ إلا سطرين سطرا من المادة وسطرا من العقل

ثم قال: ألا إن مثل عقولكم كمثل المادة كما أسلفنا، وإن المادة فيها سبعون ألف سطر من حكم عجيبة، وما قرأتم منها في السياسة إلا سطرا واحدا، ثم لم تفهموا إلا جملة من السطر، وهي: «يغلب الأقوى الأضعف»، ألم تر إلى ما أودع فيها من الحيوان والنبات والمعادن، وأنتم كل يوم تخترعون وتكتشفون، وكم من نبات لا تعلمون، إن الحشائش والأشجار المحيطة بمنازلكم النابتة في حقولكم كافلة لشفائكم، ولكنكم لا تعلمونها، ولو علمتم منافعها لكنتم أنعم بالا وأسعد حالا، وكم في خفايا الأرض وبطون الأودية وعلى رءوس الجبال من المنافع، والناس عنها غافلون، ولم يقرأ الناس إلا سطرا واحدا، وحفظوا منه في السياسة الجملة المشئومة المذكورة.

أين الإنسان · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ١٣