تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل السادس

| في أنواع الحكومات والفلاسفة

فلما أن كانت الليلة الثالثة دخل الحجرة وأيقظني وأجلسني فآنست وجها يخجل القمر، وقد لبس ثيابا بيضاء مصفرة ومعه ساعة من الذهب، فرجع إلى الكلام على حال الإنسان وقال: ما الذي عملتم بفطركم وعقولكم؟ فقلت: نظمنا الحكومات، وقرأنا الديانات، وأوسعنا العلوم واللغات، واخترقنا الجبال، وعبرنا الأنهار، وسخرنا الهواء، والحجر والماء، فنحن لذلك كله مسخرون. فتبسم وقال: سأريك قيمة ما وصفت، وأعرفك أنه ليس شيئا مذكورا في إنسانيتكم، أجبني: «أين الإنسان؟» أنتم متحاربون متقاتلون متعادون، أنتم ذئاب على أجسادكم ثياب، إنني إذ سحت العوالم السماوية، ونظرت نظاماتها السياسية، وقارنت سياستكم بسياستها، ودولكم بدولها، ما شككت أنكم يا أهل الأرض معذبون غافلون، إني عجبت لكم، إن لكل امرئ منكم قلبين متضادين، ونفسين متناقضتين، ووجهين متشاكسين. فقلت: كلا، بل قلب واحد، ونفس وعقل ووجه. فقال: ألستم تقابلون بعضكم بما تعلنون، وهو مخالف لما تضمرون ؟ ألستم تفشون، وتكذبون وتنافقون، وأنتم متظاهرون بالصلاح، وكثير منكم فاسقون؟ أوهذه حياة الإنسانية؟! إن هي إلا حياة شيطانية.

ثم قال: خبرني، أليست حكوماتكم هي التي أكل عليها الدهر وشرب، ما هذه الحكومات، يا عجبا للإنسان! يا ويل الإنسان! أطلق له السراح كما أطلق للمادة، فتدلى عن الحيوانية، وانحط أسفل من البهيمية؛ ألستم تخضعون للأوهام والدجالين والكذابين؟ ألستم تحسون بضعف أنفسكم أمام وارثي الملك فتملكونهم عليكم، والطبيعة والفطرة تناديكم، أين عقولكم؟ أين أحلامكم؟ «أين الإنسان؟» إن الفطرة قد تكفلت لكم بكل حكمة وسياسة، إن الحكمة العالية الإلهية سنت لكم القوانين، ونظمت لكم كل شيء وأنت غافلون. قلت له: فأفدني. فقال: سيريك الشيخ الوقور من بعد «جامون السماوي». (وسيكون له القول الفصل في آخر الكتاب.)

فقلت له: من أين استمد الإنسان أكثر الحكومات الحاضرة؟ فقال: إن الإنسان عاش مع الحيوان أمدا طويلا يتصارعان ويتجاولان، وقد ركبت فيكم صفات الشهوة لتعيشوا كالبهائم، وصفات الغضب لتدافعوا كالأسود، وصفات العلم والحكمة لترقوا وتسعدوا كالملائكة، ولكنكم يا معاشر الإنسان، لا تزالون مع الأنعام، ولا تقدسون إلا صفات الآساد.

فقلت له: إن فينا الأنبياء والحكماء والعلماء. فقال: أما أنبياؤكم فقد خالفتموهم، وأولتم كلامهم، وأما حكماؤكم فإن أكثرهم ساروا مع العامة، وعللوا ما وجدوه بلا بحث ولا تنقيب، كما فعل علماء اليونان في الأفلاك، وما قاله أرسطاطاليس في المذنبات، وداروين في السياسات، وسبنسر في المطعومات، وعامة علماء أوروبا في الصين واليابان. فدهشت إذ سمعت هذا القول، وعجبت كيف عرف أسماء الحكماء في الحديث والقديم. فقلت: أيها الصديق الفاضل، رعاك الله، أوضح لي ما ذكرت. فقال: أما علماء اليونان فإنهم لما رأوا قبة زرقاء، منظورة دائمة الوجود، قالوا: أنها لا تقبل الخرق ولا الالتئام، ولا الفساد ولا الفناء، وهي دائمة أبدا وأمدا. وهذا القول كذبته العلوم، وذهبت دولته، وانهارت سياسته، فأنت ترى أنهم عللوا الكرة السماوية كما يلتمس علماء البيان حكمة الاستعارة المكنية، وكقولهم إن الكواكب السبعة البهية توسطتها الشمس كما تتوسط شمس القلادة قلادتها، وهي أثمن جوهرة العقد في جيد الحسناء، إذ تكون في وسط الخرزات البهجات، أفليس ذلك عيبا في الحكمة وجهلا بالنظام؟ أما أرسطاطاليس فإنه علل النيازك والكواكب ذوات الذنب بأنها أبخرة أرضية، صعدت في جو السماء وصادفت الكرة النارية فاشتعلت فحدث الضوء المنير، وأنت تعلم سقوط هذا الرأي في العلوم العصرية، والحكم الكونية، والاكتشافات الحكمية.

وأما داروين فإنه لما نظر جمال الدنيا وبهجتها وزخرفها وحكمها ونظامها ووقف على غلبة الأسود للظباء، والعنكبوت للذباب، والذئب للدجاج، والقوي للضعيف، ورأى الأمم القوية تفتك بالضعيفة وتبيدها من الوجود، جارى ما يشاهده من الناس، فحكم بألا فلاح إلا بالغلبة والقوة والسلاح والكراع، فأخذت الأمم تجد في السلاح والمدافع والرصاص، وهو حق أريد به باطل، وصدق أريد به كذب، وستفهم فيما بعد أنه أخذ القضية من أحد وجهيها، ولم يحقق مقالته ولم يحكم حكمته، ولعل أنصاره هم الضالون، وإلا فكيف عاش الفيل تحت الشجرة، والعصفور فوقها والنمل أمامها، والصعو (الميكروب) في جسمها، والذباب يطن على أذنيها، والجميع في جو واحد، منعتهم من التزاحم حواجز طبيعية، أفلا تحجز الناس حواجز حكمية، ليطابق العقل الإنساني حكمة الكون العليا، ودرجته القصوى. ولم يكن هذا مذهب داروين وحده، بل سبقه به أبيقور اليوناني وهو يحدث عن العالم بطريق الحدس والتخمين، وهكذا ذكر هذه الغلبة العرب، ولكنهم لم يريدوا أن يجعلوها أساسا للسياسات.

أين الإنسان · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ١١