تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت: أوضح لي المثل. فقال: إن الهواء الجوي يغدو ويروح في الجو، وله فوائد معلومة، ونعم محدودة مشهودة، يحمل السحاب، ويرفع قطرات الماء، ويقبل الأصوات، وهو الأمين على اللغات، حافظ أنواع المسموعات، بحيث يميز ما بين صوت وصوت، ولغة ولغة، ورائحة ورائحة.

هذه وأمثالها فوائد الهواء الذي يغمركم بكرته الجوية، ويحيط بكم وهو في حالته الفطرية، فإذا ما تطور بأطوار أخرى، فإنه يأتي بفوائد كثيرة، ألا ترى أنه يغذي النبات فيمتزج بمائه، ويتخلل عصاراته، وهو نفسه وغذاؤه، فهذا مدرسة أولى للهواء، يمتزج بالعناصر الأرضية، ويحدث منها الأغصان، ويخرج الأزهار، ويمازج الأشجار، فهذه الأشجار الخضرة، والأزهار النضرة، والثمار البهية، يدخل في تركيبها الهواء، كما مازجها الماء والتراب، والأضواء، فالنبات يتنفس ولكنه لا صوت لنفسه، ولا حروف ونغمات ولا علوم ولا آداب، ثم الحيوان يستنشق الهواء فيمتزج بتركيبه، ويدخل في بنيانه كما دخل في النبات، وكون الأوراق والأزهار، لكنه في الحيوان أعظم قدرا وأوفر عملا وأجل فائدة، ألا ترى الطيور بأصواتها الشجية المبهجة، ونغماتها البديعة البهية، أليس هذا من العجب؟ مصلحة الهواء الامتزاج بالدم، وتكوين اللحم والشحم والعظم والعروق والحواس، فما باله زاد في الحيوان جمالا وإبداعا، فصار دلالة بين الأم وولدها، والذكر وأنثاه، والحمامة وأفراخها، والنعجة وحملها، واللبوة وأشبالها، وذلك لم يكن بين الغصن وأزهاره، ولا بين الساق وفرعه، ولا بين الفروع وأثمارها، فإذا تخطينا إلى الإنسان وهو المدرسة الكلية العالية للهواء، رأينا أمرا عجبا، فإنه يفعل كما فعل في النبات من التغذية، وفي الحيوان من النغمات والفهم والإفهام، وزاد عليهما باللغات، والعلوم الناشئات من الحروف الهجائية، المركوزة في الطباع البشرية، ألا تتأمل، ألا تتعجب من الهواء كيف كان في الجو قليل الفوائد، فلما أن دخل المدرسة الأولى النباتية أفاد المواد الغذائية، فلما أن دخل المدرسة الثانية الحيوانية أفاد الدلالة والإفهام، فلما أن وصل المدرسة العليا الإنسانية كانت النغمات المشجية، والحروف الهجائية، والعلوم الكونية، فصار معبرا عن سائر الكائنات، وبجميع اللغات، فكم لغة كونت ودونت! ويقال: إن في الأرض أربعة آلاف لغة تحصر ما في العالم العلوي والسفلي من العلوم، فهل تجد تلك العجائب في هواء دارك، الساكن في غرفتك، أم الصنعة التي أدخلت عليه جعلته في أعلى مكانة وأسماها، لعمرك إنه لا فارق بين هواء غرفتك، ونغمات الموسيقى، ومطربات الموسيقار، وكلمات الحكم والأخبار إلا بالصنعة والإتقان، فالهواء هواء اعترته العوارض ودخلته الصنعة فارتقت به إلى أبدع الأحوال وأسماها، وأعز المقامات وأغلاها، فهل تقصر الروح الإنسانية، عن النسمات الهوائية، إن نفوسكم أرق وأرقى، وأعز وأغلى، فإذا دخلتها الصنعة غلت قيمتها، وعلت رتبتها، وزادت كرامتها، ولئن تدرج الهواء في الصنعة من البساطة في الجو إلى نغمات مشجية مطربة، وحكم عالية، وعلوم باقية، وآداب غالية، أفلا يصل الإنسان من مقامه الوحشي بين الأنعام، إلى رتبة السادة الأخيار المصطفين الأحرار.

ثم قال: يا أيها الناس إن نفوسكم لشريفة عالية ، وأرواحكم طاهرة باهرة، وعقولكم سامية فاضلة. وقدرتكم تزيل الجبال، وترفع الحصون، وتذلل الصعاب، أرواحكم مطلقة فقيدتموها، ومقدرتكم واسعة فضيقتموها، ولئن وسعت المادة سائر الأشكال، من الظلمات والنور، والظل والحرور، والإنسان والجماد، والبحر والبر، فإن نفوسكم أعظم اتساعا وأوفر اقتدارا، وأعلى منارا، وإذا كان الهواء يرتقي إلى أن يحمل الحكمة بسائر أنواعها في حروف هجائية، فالأرواح الإنسانية أجل منه مقاما، وألطف بهاء، وأوسع جاها، وأبهى جمالا، وأبهر حسنا وكمالا. ما لي أرى أخلاقكم نازلة، وسياساتكم عاطلة، وحكوماتكم ناقصة، مشوهة! إنني لما اقتربت من الأرض وشاهدتكم في محن العذاب مسخرين، وفي عذاب جهنم الذل خالدين، أيقنت أنكم مسجونون في هذه الكرة، لا تفارقونها إلا بالموت، كتب عليكم أن تسجنوا في الأجسام، وأن لا تفروا من الأرض، فزدتم القيد قيودا، ذلك أنكم حبستم أنفسكم في سجن الجهالات، وفاسد الحكومات، جهلتم قدر أنفسكم فحبستموها، وبهذا السجن عذبتموها، وكم لكم من قدرة تركتموها، ومن حكمة دفنتموها! كل هذا وأنا مصغ لقوله، سامع لوعظه وزجره، ودعني وولى مدبرا، فنمت، فلما انفلق عمود الصباح كتبت ما قره وسطرت ما حققه.

أين الإنسان · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ١٠