الفصل الخامس
| في استعداد الإنسان
فلما كانت الليلة الثانية، ونمت وأنا في حيرة من أمري، إذا قائل يقول: قم أيها النائم، فعلمت أنه صديقي ليلة أمس، فرأيته بشكل بهيج، ومنظر عجيب، ومن عجب أن صوته في الحديث موسيقي، لم أسمع مثله في عالمنا، كأنه مطرب يعلم ومعلم مطرب، فتمنيت لو يتاح لنوع الإنسان أن يحسن نغماته، ويتقن حركات أصواته، ويطرب سامعيه برناته، فأخذ يسمعني من بدائع العالم ما سرني وبهرني، ومن قوله أتظنون أيها الناس أنكم وصلتم الغاية المطلوبة، والدرجة المرغوبة، كلا، إنكم في أول طريقكم سائرون، وعن الصراط السوي ناكبون. ثم قال: لقد ذكرت الخير والشر وامتزاجهما في نفوسكم وقرره حكماؤكم، وذلك دأبكم، تحكمون على الأشياء بمظاهرها، ولا تدرسون ماهيتها وحقائقها، إن ما ذكره حكماؤكم في الإنسان قطرة من بحر، وذرة من جبل، ألا أعرفك حقيقة الإنسان واستعداده. فقلت: ذلك غاية مقصدي، ونهاية مطلبي، وأنت مشكور، وبالفضل مذكور، فقال: على شريطة أن تنشر الكتاب في أنحاء الكرة الأرضية، والعوالم البشرية. فقلت: ذلك عهد بيني وبينك.
فقال: إن حقيقة النوع الإنساني واستعداده لا تنجلي بتعاريفكم الفلسفية، ولا تعرف بآرائكم العلمية، وإنما أقربها لك بمثالين اثنين؛ المادة العامة الكونية، والهواء المحيط بالكرة الأرضية، ألا إنما مثل الإنسان كمثل الهواء، وكمثل المادة، فإذا درستهما وعرفتهما آن لك أن تعرف استعداد الإنسان وقواه وملكاته. فقلت: إن هذا القول غامض، فأرجو إيضاحه، وأطلب تبيانه. فقال: إن المادة غامضة عليكم، مجهولة حقيقتها لديكم، وليس للبشر أن يقفوا على كنهها، ويطلعوا على سرها، وإنما تعرفونها بأوصافها الظاهرة، وأعراضها القاصرة. تعلم أن المادة تكون ضوءا وحرارة وكهرباء، وهو آخر الآراء عندكم يا أهل الأرض. فقلت له: نعم. فقال: وتكون أثيرا وهواء وماء ومعادن أرضية، كالذهب والفضة والبلاتين والنحاس والقصدير، ونباتا، كالفواكه والحبوب والملابس كالقطن والكتان، وتكون حيوانا في الماء كالأسماك، وفي التراب كالحيات، وعلى وجه الأرض كالبهائم، وفي الجو كالطيور، وتكون كواكب وأفلاكا، وسماوات وأرضين؟ قلت: نعم. قال: المادة واحدة تطورت وتغيرت وتشكلت، فإذا رأينا نحن علماء السماوات حجرا في جبل، نظرنا ببصر غير بصركم، وسمعنا بأذن غير آذانكم، وعقلنا بقلب غير قلوبكم أنه نبات وأسماك وحيوان، فهو فاكهة وروح وريحان، وذهب وفضة ونحاس وقصدير، وجنة ونار، وأرض وسماء، وحيوان وإنسان، فتراه عالما متبحرا، وشجرا مثمرا، وذئبا عاويا، وغزالا أغن، وأسدا رابضا، وإنسانا كاملا، وجاهلا مرذولا، وعالما مقبولا؛ ذلك لأنه يصلح لسائر ما وصفنا، ويتشكل بكل ما ذكرنا من الأشكال.
إن المادة واحدة صالحة للجميع، فإذا فنيت السماوات وحطمت الأرضون، وطاح الحيوان، وذهب النبات، وهلك الإنسان، وذبل الجمال، وراح البهاء، فذلك كله كامن في المادة، مستقر في الهيولي، فليس بمعدوم أثره ولا زائل عنصره، وما المادة إلا كحب الحنطة، وبذرة شجر القطن، متى أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت الأغصان، وأبرزت الأزهار، وأطلعت الأوراق، وألبست القطن، وأهدت القمح، فهكذا المادة تصلح لكل شيء، فإذا أفرغ الله عليها حكمته، ونفحها قدرته، تنوعت أصنافها، وتشكلت أوصافها، بما تراه، فأنت من هذا عرفت استعداد المادة وتنوعها وتشكلها بما لا يتناهى، فهكذا الإنسان، إن أرواحكم كالمادة، قادرة على الخير والشر، والرفعة والضعة، وإذا ما نظرنا إلى زنجي دميم، أو ملك عظيم، أو عالم حكيم، لم نفرق بين الأبيض الجميل، والصعلوك الوضيع، والجاهل البليد؛ لأننا نعلم الاستعداد الإنساني، وقبوله الرقي، كما قبلت المادة الصورة الحجرية. وتشكلت بالصورة الإنسانية، فلا يشكل المادة إلا العلم والقدرة، ولا يخرج الإنسان من جهله وخموله وبساطته إلا التعليم، وكما تكون المادة بالتشكيل ضارة، كالعقارب والحيات، فهكذا قد يكون الإنسان بالتعليم شرا وبيلا، وشررا مستطيرا، كعلماء اللصوص، وبعض رجال سياساتكم في الأرض. فقلت: وهل سيكون في الأرض سياسات ممدوحة؟ قال: نعم، بعد نشر هذا القول في الكرة الأرضية، سيكون له أثر محمود، وفضل مشهود. فقلت له: فأوضح لي المثل الآخر وهو الهواء. فقال: أنت تعرف الهواء؟ قلت: نعم. قال: إن الإنسان يقبل رقيا عاليا، ومجدا غاليا، لا يحصيهما عد، وليس لهما حد، والفرق ما بين نقصه وكماله، وقبحه وجماله، كالفرق ما بين الهواء في حجرتك الحائم حول دواتك، المحيط بقلم كتابتك، والهواء الخارج من القصبة الهوائية، المغذي للأجسام الإنسانية، الممتزج بالكرات الدموية، المولد للحروف الهجائية بنغماته، المفهم لسامعيه عجائب الحكمة بآياته، ودرر المعاني وغرر العلوم برناته.