 وتنعيمها فيه أو تعذيبها، والأصل في كل باق استمراره حتى يظهر ما يصرف عنه، وما ذهب إليه السبكي القائل بحدوثها غير ما انتحله الفلاسفة القائلون بقدمها لوجهين: أحدهما: أن النفس مستندة إلى علة قديمة إما بالاستقلال فتكون أزلية أبدية، وإما بشرط حادث هو المزاج الصالح فلا تكون أزلية، لكنها أبدية لأن ذلك شرط للحدوث دون البقاء، وعليه منع ظاهر. وثانيهما: أنها لو كانت قابلة للفناء والفساد وهي باقية بالفعل لكان فيها فعل البقاء وقوة الفساد، وهما متغايران ضرورة، ويمتنع أن يكون محلهما واحدا لأن محل قبول الشيء يكون باقيا معه موصوفا به، ومحال أن يكون الباقي باقيا مع الفناء والفساد، والنفس جوهر بسيط محل للبقاء بالفعل فيمتنع أن تكون بعينها محلا لقوة الفساد أو مشتملة عليه، فلا تكون هي ولا شيء من المجردات قابلة للفناء والفساد، إنما يكون ذلك للصور والأعراض، ويكون القابل هو المادة الباقية.
فإن قيل: قوة الفناء هي إمكان العدم، وهو أمر اعتباري لا يقتضي وجود محل. أجيب بأن المراد الإمكان الاستعدادي الذي يجتمع مع وجود الشيء لا الإمكان الذاتي الاعتباري. ورد هذا الدليل بأنا لا نسلم أن قوة قبول الأمر العدمي كالفناء مثلا يقتضي وجود محل لها تجتمع مع المقبول، ولو سلم فقد سبق أن الحدوث أيضا يقتضي مادة، وتكفي المادة التي تتعلق بها النفس من غير حلول فلم لا يكفي مثلها في قوة الفناء، وقد يجاب بأن القوة الاستعدادية عرض فلا بد له من محل سواء كان استعداد المقبول أمرا وجوديا أو عدميا، ثم استعداد بدن الجنين بما له من اعتدال المزاج لأن يفيض عليه من المبدأ نفس تدبره معنى مقبول. وأما استعداده ببطلان ذلك المزاج لأن ينعدم ذلك المدبر فغير معقول، بل غايته أن ينعدم ما بينهما من العلاقة، وهو لا يقتضي الفناء. انتهى.